الفنان “وحيد علي” قيثارة سومر ونايها المحمل بالحزن وبوح العشق الكسير

بقلم: سمير السعد

في زمنٍ كانت فيه الأصوات تصنع الذاكرة وتطبع المشاعر على جدران القلب، بزغ صوتٌ لا يشبه غيره، صوت جنوبي نقي من ضفاف دجلة، اختلطت فيه عذوبة الأهوار بشجن القصيدة، فكان وحيد علي… سومري الهوى، عراقي القلب، من جيلٍ لا يتكرر.

صاحب بصمة فنية لا تُخطئها الأذن، ظلّ محافظًا على هويته الفنية وسط زحام التغيرات، متمسكًا بأصالة الغناء، بصدق الكلمة، وبنقاء اللحن. فحين غنى، أنصتت له القلوب، لا لحداثة الموسيقى أو بهرجة الإنتاج، بل لصفاء الشعور ودفء الأداء.

من أجمل ما صدح به صوته العذب كانت أغنية “ردتك بس تجي”. تلك القصيدة التي كتبها الشاعر الكبير الراحل كاظم إسماعيل الكاطع، ولحنها كريم هميم، لتغدو واحدة من أجمل ما أنتجته الساحة الغنائية العراقية في استفتاء عام 1986.

في كلماتها، يرسم الشاعر لوحةً من الانتظار الموجع، مكلّلة بأمل خافت:

ردتك بس تجي وأحچي إلي يفرحك
تنشف دمعتي وبوجهك أضحك
ما گلت شعجب؟ ما ينفع عتب لسمعك
بس كلام إلي يريحك… ردتك بس تجي

هي ليست مجرد كلمات، بل بوح عاشقٍ كتم وجعه طويلاً، وتنازل عن عتابه، فقط من أجل رؤية من يحب، ليضحك من خلاله، ولأجله. قصيدة تختصر لحظة ضعف إنسانية لا يخجل منها القلب، بل يبوح بها بكل نقاء.

في رصيده، ذخيرة من الأغاني التي حفرت مكانتها في ذاكرة المستمع العراقي، منها:
“وداعة عينك ما ندمان”، “شال العزيز”، “ضي العيون”، و”الله ينطيني الصبر”، وكلها تعكس ذائقته الرفيعة في اختيار النصوص وتعامله مع نخبة من شعراء العراق الكبار، مثل:
كريم العراقي، كاظم فندي، محمد المحاويلي، طاهر سلمان، بشير العبودي، مكي الربيعي، كاظم السعدي، كريم اللامي، كريم خليل، مناضل التميمي، عدنان هادي، صباح الهلالي، جواد الحمراني، فالح حسون الدراجي، كريم راضي العماري، حسن الخزاعي، حمزة الحلفي وغيرهم من أصحاب الكلمة المؤثرة.

أما على صعيد التلحين، فقد تعاون مع مجموعة من كبار الملحنين الذين أسهموا في تشكيل ملامح الأغنية العراقية الأصيلة، منهم: محسن فرحان ، كريم هميم، كاظم فندي، سرور ماجد، جمعة العربي، حسن مشتت، علي الصغير، فكانت كل أغنية ثمرة تلاقٍ بين الصوت الشجي واللحن الصادق.

لم تقتصر مسيرته على العاطفة فقط، بل امتدت إلى الأغنية الوطنية، حيث غنّى للوطن بصدق نادر، وكان صوته شاهداً على حبٍ لا ينضب للعراق.

ولأن الفنّ لا يُحبس في إطار، شارك وحيد علي أيضاً في غناء شارات المسلسلات، مثل “المهافيف” و”حكاية مثل”، اللتين كانتا مثالًا على تكامل الصورة والصوت، وأثبتت موهبته في ترجمة المشهد إلى لحن نابض بالإحساس.

وبصراحة العارف، عبّر عن أسفه لما آلت إليه بعض الأعمال الغنائية اليوم، واصفًا بعضها بالتهريج، منتقدًا غياب الذوق العام، معربًا عن أمله في بروز طاقات شابة مثقفة تعيد للأغنية العراقية بريقها وهويتها.

رغم انشغاله في موقعه الإداري كنقابي (أمين سر نقابة الفنانين العراقيين بين 2014 – 2017)، بقي على تواصل دائم مع أبناء جيله، ومخلصًا للفنانين الذين سبقوه، مُعربًا دومًا عن احترامه ومحبة متبادلة جعلته محبوبًا على المستويين الفني والإنساني.

وحيد علي، ليس مجرد فنان، بل حالة وجدانية عراقية، حافظ على نقاء صوته الجنوبي، وعلى هوية أغنيته، حين نسي كثيرون من أين يبدأ اللحن وإلى أين يجب أن يصل.

إنه حارس الوفاء في زمن التغير، وذاك الصوت الذي متى ما سمعته، شعرت أنَّ دجلة تمر من قلبك، وأنَّ الجنوب لا يزال يهمس في أذنك: ردتك بس تجي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *