هيئة التحرير/ وكالة سنا الإخبارية
لم يعد الفساد في العراق مجرد اختراسات عابرة أو عمولات مخفية، بل تحول إلى “مؤسسة قائمة بذاتها” تحميها قوى سياسية وتمولها صفقات خيالية تجري تحت غطاء “دعم المنتج الوطني”. هذا ما فجّره النائب السابق والسياسي المستقل حسين عرب، الذي قلب الطاولة بالوثائق الرسمية والأرقام الصادمة، واصفاً المشهد بأنه “تهديد وجودي” للدولة العراقية.
المحاصصة.. المظلة التي تشرعن السرقات
في تشريحه لكواليس ما يجري خلف الأبواب المغلقة في مجلس النواب، أكد عرب أن الحصانة والنفوذ السياسي تحولا إلى درع لحماية المفسدين. وقال بعبارات حاسمة: “القلم الأحمر يساند القلم الأخضر والأسود والأزرق حتى يشرعن عملية الفساد”.
وأوضح أن المحاصصة الحزبية جعلت من المستحيل على اللجان النيابية الرقابية محاسبة أو استضافة أي مدير عام فاسد، لأن منظومة “اقتصاديات الأحزاب” تقف حائلاً وتمنع المساس بأذرعها التنفيذية في الوزارات.
كارتيلات الدولار: الحوالة بـ 150 مليوناً والكاش في “المجاري”!
كشف عرب عن واقع مرعب يتعلق بحجم السيولة النقدية المنهوبة والمكدسة داخل منازل بعض المسؤولين والنواب، مؤكداً أن الفساد تسبب بأزمة سيولة خانقة في البلد لأن الأموال باتت تُكتنز في البيوت.
وفجّر قنبلة معلوماتية قائلاً: “لدي أرقام عجيبة وغريبة.. هناك حوالة مالية واحدة تحركت من الداخل إلى الخارج بقيمة 150 مليون دولار مسؤول عنها شخص واحد!”. وأضاف مستنكراً أسلوب إخفاء الأموال المنهوبة: “لقد وصل الأمر ببعضهم إلى حفر المجاري ودفن ملايين الدولارات والمليارات المسلفنة فيها، أو تكديسها في التبن وفوق السطوح، في سلوك يطابق حرفياً ما تفعله كارتيلات المخدرات العالمية مثل إسكوبار!”.
خدعة “المصانع الوهمية”.. كيف تُنهب قطاعات الدولة؟
بصفته خبيراً في الشؤون التجارية، كشف عرب عن “التوليفة” الذكية والخطيرة التي تستخدمها الشركات التابعة لوزارة الصناعة بالتعاون مع تجار ومسؤولين للالتفاف على القانون.
حيث يتم استغلال قرارات الموازنة التي تلزم الدوائر الحكومية بالشراء من القطاع العام، عبر توقيع عقود مشاركة لتأسيس “مصانع وهمية” لا وجود لها على أرض الواقع؛ إذ يكتفي الفاسدون باستئجار قاعات أو شراء معدات بسيطة لا تتجاوز قيمتها 50 ألف دولار، ليتم عبرها احتكار وتمرير عقود بمليارات الدنانير مع وزارات النفط والدفاع والداخلية دون أي منافسة شريفة.
الوثائق المزلزلة: هدر المليارات في مصفى بيجي
وضع حسين عرب أمام الرأي العام والقضاء حزمة وثائق رسمية تكشف عن أرقام فلكية صُرفت على مشاريع وهمية أو مبالغ فيها بشكل فاضح داخل مصفى بيجي بالاشتراك مع شركات وزارة الصناعة:
أحجية البركة الترابية (15 مليار دينار): كشفت الوثائق عن صرف قرابة 15 مليار دينار على بركة مياه ترابية واحدة من خلال عقود متتالية ومجزأة (تطهير البركة بمليار و250 مليون، ثم تعميقها بمليار و428 مليون، وصولاً إلى كذبة نصب قالب خشبي للبركة بقيمة 5 مليارات وعقد بوليثيلين بـ 3 مليارات).
منظومة بوابات بـ 13 ملياراً: عرض عرب كتاباً رسمياً يطلب فيه المصفى تجهيز بوابات إلكترونية لتنظيم دخول الموظفين بقيمة 13 ملياراً و200 مليون دينار (أحيلت عبر مناقصة وهمية بين شركات حكومية بمبلغ قارب 15 ملياراً)، وتحدى عرب بمرارة: “أنا معترف ومستعد للمحاسبة إن كان قد دخل برغي واحد من هذه المنظومة إلى المصفى”.
التدريب الملياري المريب: وثيقة تكشف عن صرف 12 ملياراً و160 مليون دينار عراقي تحت بند “تدريب كوادر على صيانه الكابسات”!
عقود الخيالية الأخرى: شملت الوثائق عقداً لصيانة سواتر ترابية وسلالم حول خزانات المياه بقيمة 9 مليارات و750 مليون دينار، وعقد نصب كاميرات مراقبة بقيمة 9 مليارات و58 مليون دينار.
بلاغ علني إلى أعلى السلطات القضائية
ولم يقف عرب عند حد كشف الأرقام، بل حوّل اللقاء إلى بلاغ رسمي علني موجه إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى، ورئيس هيئة النزاهة، وقاضي محكمة مكافحة الفساد ضياء جعفر.
وأعلن بكل ثقة: “هذه الوثائق والكتب الرسمية هي مجرد نموذج، ولدي شخص مستعد تماماً للمثول أمام القضاء والنزاهة للإدلاء بأقواله وكشف كافة المتورطين في هذه المافيا المشتركة”. مؤكداً أن قطع هذه “الاقتصاديات الفاسدة” هو السبيل الوحيد لتجفيف منابع تمويل السلاح المنفلت، وإعادة الهيبة للنظام المصرفي العراقي دولياً