حين يكتب الذكاء الاصطناعي… ويختفي الصحفي

بقلم/حسين الأسدي

لم تعد المشكلة اليوم في دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الصحافة والإعلام فالتكنولوجيا في النهاية أداة وكل عصر إعلامي شهد أدوات جديدة غيّرت طريقة العمل
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الصحفي من صاحب مهنة إلى مجرد ناسخ لما تنتجه الآلة
في السنوات الأخيرة أصبحنا نشاهد أشخاصاً يتحدثون عن الكتابة والتحليل والصحافة وكأن امتلاكهم لأداة ذكاء اصطناعي منحهم فجأة خبرة سنوات طويلة في غرف الأخبار
وإذا حذفت تطبيق الذكاء الأصطناعي وتطلب منه أن يكتب خبراً بسيطاً وفق الأصول الصحفية أو أن يحدد كيف تبدأ المقدمة الخبرية أو كيف تُنسب المعلومة إلى مصدرها أو كيف تُكتب الأرقام والتواريخ والأسماء فتظهر الفجوة الكبيرة بين من يمتلك الأداة ومن يمتلك المهنة.
الصحافة ليست مجرد جمل منمقة وليست استعراضاً لغوياً وليست القدرة على إنتاج عشرات المنشورات في اليوم
الصحافة مهنة لها أصولها وقواعدها وأخلاقياتها
الصحفي الحقيقي يعرف أن الخبر يبدأ بالمعلومة وأن المعلومة تحتاج إلى مصدر وأن المصدر يحتاج إلى تحقق وأن العنوان يجب أن يكون دقيقاً لا مضللاً وأن الاقتباس لا يجوز أن يُنسب إلى شخص لم يقله وأن الرقم الواحد إذا كُتب بصورة خاطئة يمكن أن يغيّر معنى الخبر كله.
أما أن تأتي بالنص الذي أنتجته الآلة وتضع في نهايته: «بقلم فلان»، وكأنك أنت من كتب وبحث وتحقق وحلل فهذه ليست صحافة حديثة بل إلغاء لدور الصحفي نفسه
والأخطر من ذلك أن بعض المتحمسين للذكاء الاصطناعي أصبحوا يتعاملون معه وكأنه مصدر للحقيقة بينما هو في الأساس أداة تحتاج إلى مستخدم يعرف كيف يسأل وكيف يدقق وكيف يراجع وكيف يميز بين المعلومة الصحيحة والخاطئة
نعم الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد الصحفي في ترتيب الأفكار وتلخيص المعلومات وإعادة الصياغة واقتراح العناوين وتسريع بعض المهام التحريرية
لكن لا يستطيع أن يمنح الإنسان ضميراً مهنياً
ولا يستطيع أن يتحمل مكان الصحفي مسؤولية نشر معلومة كاذبة أو اتهام شخص أو تشويه سمعة مؤسسة
وهنا يجب أن نكون واضحين: المشكلة ليست في (ChatGPT ) وإنما في الصحفي الذي لا يعرف الصحافة ويستخدم (ChatGPT ) ليخفي جهله بها
لقد كانت الصحافة دائماً قائمة على الإنسان الذي يسأل ويبحث ويتحقق ويواجه ويكتب ويتحمل مسؤولية ما ينشره
أما إذا وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الصحفي مجرد شخص ينسخ النص الذي تنتجه الآلة ثم يضع اسمه عليه فنحن لا نتحدث عن تطور الصحافة بل عن خطر يهدد قيمة المهنة نفسها
لذلك قبل أن نتعلم كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي في الصحافة علينا أن نتعلم كيف نكون صحفيين أولاً
فالآلة يمكن أن تساعدك على الكتابة لكنها لا تستطيع أن تمنحك خبرة غرفة الأخبار
يمكنها أن تقترح عنواناً لكنها لا تستطيع أن تمنحك الحس الصحفي
يمكنها أن تعيد صياغة خبر لكنها لا تستطيع أن تتحمل مسؤولية نشره بدلاً منك
الصحافة ليست أن تجعل الآلة تكتب باسمك… الصحافة أن تعرف أنت ماذا تكتب ولماذا تكتب ومن أين جاءت المعلومة وما مسؤوليتك عنها
وإذا كان الصحفي لا يستطيع أن يكتب خبراً بسيطاً من دون أن تختبئ خلفه آلة فالمشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي أخذ مكان الصحفي…
المشكلة أن الصحفي هو الذي سلّم مكانه للآلة
فعلى الجهات المعنية ان تتحمل المسؤلية وعمل دورات تدريبية للصحفيين الشباب وحملات توعوية لهم
#محتاجين_وعي

اترك تعليقاً