هيئة التحرير/ وكالة سنا الاخبارية
البصرة : قطر الندى السعد
من قلب شارع الفراهيدي حيث يختلط ضجيج الكتب بثرثرة المثقفين ،وهيبة الفن والشعر
ولدت فكرة هذا التحقيق ..لم تكن مجرد وجوه عابرة ،تلك التي استوقفتني ،بل كانت حكايات مخبأة خلف ملامح صعبة ، لاتكسرها الرياح العاتية
هنا …في زحام المبدعين ، قررنا أن نبحث عن السر:
كيف يتحول الالم الى تمثال من الصبر ؟
وكيف تصقل المرأة في شعاب الصعاب ..لتمشي واثقة الخطى وسط اشواك الحياة !
نغوص في هذا التحقيق خلف الستار ، لنروي قصص نخبة من النساء لم يطرقن ابواب النجاح صدفة ..بل صنعن مفاتيحه ب”إرادة من حديد”
نساء جعلن من الضعف قوة لنكشف الستار عن فصول من حياتهن لم تروى من قبل ..
فمن دلال الملكة إلى معارك الإرادة حكاية (ش)..روضت النكبات
ففي العشرينيات من عمرها ، لم تكن (ش) مجرد شابة طموحة ، بل كانت “ملكة” في كنف والدها ، جعل من طلباتها أوامر تنفذ بين شروق الشمس وغروبها ..
لم يكن الدلال بالنسبة لها ترفآ فقط ،بل كان مدرسة تعلمت منها العطاء فأسست مشروعها الاول بدعم والدها وسنده لها ، لتتحول من الابنة المدللة إلى سيدة أعمال لتمد يد العون للآخرين بصمت ، مؤمنة بأن الخير لايحتاج ضجيج..
كانت الساعة تشير إلى الثانية ظهرا تحت شمس تموز اللاهبة ،حين طرقت بابها امرأة تعرفها جيدا بملامح شاحبة وتقارير طبية لأبنها المريض .. وبدافع إنسانيتها وشهامتها أدخلتها (ش) في سلفة مالية ضخمة ..لم تكن تعلم أن هذا الطرق على الباب سيهدم جدران مملكتها ..
بمجرد استلام تلك المرأة مبلغ السلفة تبخرت كالملح في الماء ، هاتف مغلق ،دار خالية ،وأثر مفقود ، في تلك اللحظة وجدت (ش) نفسها أمام خيارين : الهروب أو المواجهة ..وب”إرادة من حديد” اختارت المواجهة مدركة جيدا حجم الدمار الذي سيواجهها ..
سددت (ش) ديون الناس من رأس مال مشروعها وحلم عمرها ، بل واضطرت للاقتراض لتفي بالتزاماتها ، لم تكن الخسارة مالية فحسب ،بل دفع جسدها الثمن : عجز في المثانة العصبية استلزم رحلة علاج مريرة لعامين كانت فيها الإبرة الواحدة توازي (500 دولار)
وفي تلك العتمة ،كان والدها واخوتها هم المنارة التي أمدتها بالقوة لتنهض من جديد ..
لكن …..الكسرة الكبرى : رحيل الجبل
وبينما كانت (ش) تلملم شتات نفسها لتنهض مرة أخرى ،تلقت الطعنة التي لم تستطع منها شفاء ، رحيل والدها ..
هنا …ولاول مرة..
اعترفت المرأة القوية بضعفها :
مات سندي وقوتي وصديقي ..
مات الجبل الذي كنت استند إليه
كان فقدان والدها ،اصعب من خسارة المشروع ..وأقسى من وجع المرض..
واستمرت قائلة :
بعد رحيل والدي ظننت أني فقدت البوصلة ،فالسند الذي علمني افتح مشروعي الاول لم يعد موجودا ليشد ازري ..
وفي ليلة هادئة تذكرت كلماته ..تذكرت ماعلمني إياه
لم يكن ذلك لأكون هشة..بل ليزرع في داخلي ثقة الملكات..
قررت أن أكون التي يفتخر بها والدي ..لايجوز أن انطفيء..نعم ..لايجوز ..
لم اعد املك راس مال ضخم ..ولا مشروعا كبيرا ..لكني أملك الإرادة
بدأت بمبلغ بسيط .. اشتريت بها مواد أولية لمشروع صغير يدار في زاوية من منزلي ..كنت اعمل وصورة والدي أمام عيني ..وكلما تعبت ..ابتسم واقول ..”سأنجح من اجلك”
وفعلا تضاعفت بركة الرزق وتعددت طرق النجاح..حتى وصلت إلى القمة..
ودعتها بكلمات صبر واعجاب ..وانا ارى في ملامحها امرأة تنظر إلى مسيرة جهادها بعين الفخر .فأصبحت كما تصف نفسها بالمرأة القوية التي صقلتها المحن ..
أما (ق) : من” ترف” الدلال إلى “حرب” الدفاتر الممزقة
بينما يرى البعض مجرد خطوط مستقيمة ،تراها (ق) لوحة ربيعية أبت أن تعترف بالخريف رغم العواصف العاتية.
هي ليست مجرد قصة امرأة نجحت في وظيفتها ،بل هي ملحمة “الطفلة المدللة ” التي استيقظت فجأة لتجد نفسها في مواجهة رجل حاول اغتيال حلمها ، فصنعت من رماد كتبها الممزقة سلما نحو المجد ..
بأبتسامة واثقة تختصر عقودا من الصبر تبدأ (ق) حديثها :
كانت حياتي وردية ، لااعرف من اين يشترى الاحتياجات ولا كيف يدار المال ،كنت الابنة الوحيدة بين إخوة ذكور ،الابنة التي لا يرفض لها طلب ..لكن هذا النعيم كان على موعد مع “منعطف حاد “: زواج مبكر قبل العشرينيات القى بطفولتها في رياح عاتية لمسؤؤليات شاقة مع رجل كان يمثل النقيض التام لأحلامها ..
تتصاعد حدة الالم وهي تسرد عذاباتها بأبتسامة تخفي وراءها ملايين الاوجاع ..حيث تحول التعليم من حق إلى “معركة استنزاف “:
تروي (ق) لحظات قاسية تقشعر لها الأبدان
” كانت الامتحانات تمثل اعلان حرب بالنسبة له ..لم يكتف بالمشاحنات ،بل وصل به الأمر إلى تمزيق ملابسي الخاصة بدوامي..وتمزيق كتبي أمام عيني ليحطم روحي المعنوية “
في تلك اللحظات ولدت المرأة المستحيلة ،فبينما كان العالم ينام ،كانت هي تسهر تحت ضوء خافت لكي لا يشعر أنها مستيقظة ،تعيد كتابة مناهجها الدراسية كاملة بخط يدها لأنها لاتملك ثمن شراء كتب بديلة أو طباعتها ..
كانت تقسم ليلها بين (صراع الحبر وصراع الحفظ) تبيع قطع ذهبها الغالية ليس لشراء الرفاهية .بل لتأمين “أجرة الطريق ” التي ستوصلها الى قاعة الامتحان ..
المعجزة : من الأنقاض إلى المنصة ..
لم تنجح (ق) فحسب بل انتزعت المركز الثاني بجدارة لتفتح أمامها ابواب الوظيفة التي كانت بمثابة “طوق النجاة”
وبدلا من أن تستريح ،بدات رحلة كفاح جديدة ،اربع ساعات يوميا تقضيها في الطريق من والى العمل ،تقابلها ساعات طوال في تدريس أطفالها وزرع الطموح في أرواحهم حتى رأتهم يطرقون أبواب الجامعة بزهو …
أما في يوم عطلتها ،فقد كانت تمارس فيه الرفقة العائلية ومتابعة مايدور بداخلهم في جلسة حوارية ..
اليوم تقف (ق) في عملها كنموذج للاخلاص والكفاءة ،تتدرج في المناصب ،وتنال احترام الجميع ،ليس فقط لمهنيتها ،بل لأنها أثبتت أن ( المستحيل ) ليس إلا كلمة في قاموس الضعفاء ..
هي اليوم لاتسرد قصة نجاح وظيفي ،بل تسرد قصة “إعادة صياغة القدر ” بالصبر والعزيمة التي لاتلين..
قصة (ق) برهان حي أن المرأة العراقية حين تقرر النجاح ،فأنها تحول حتى تمزيق الكتب الى دافع لكتابة التاريخ الشخصي من جديد …
أما “ز’.. فقد عاشت تجربة قاسية تتجاوز حدود الاحتمال ، وما عانته هو عنف منهجي واضطهاد يمارس ضد امرأة ضحت بكل شي من أجل ستر بيتها وأطفالها ..
“ز” والزفاف الذي صار سجنا :
كانت “ز” في ربيعها الثامن عشر ،تتلمس أولى خطواتها في أروقة الجامعة ،مكللة بحلم الشهادة ..لم تكن تعلم أن صديقة الدراسة التي الحت عام كامل كي تخطبها لأخيها ،لم تكن سوى الرسول الذي سيقودها إلى معتقلها الأبدي..
دخلت “ز” القفص الذهبي كما تظن ،لكن القضبان كانت اسرع من الزينة ..
في اليوم الأول الذي من المفترض أن يكون الاجمل ، تذوقت طعم “صفعة” افقدتها السمع على إثرها ..وبدل أن تصرخ وتعود لحضن والدها ،اختارت الصمت القاتل ، خوفا من الفضيحة ،وحرصا على ميثاق لم يحترمه الطرف الآخر..
لم تكن المعاناة زوجا عنيفا فحسب ، بل كانت حربا نفسية تقودها ( العمة ) والاخوات..
تروي “ز” بوجه قارعت الاسى ملامحه بشتى أنواع البؤس والحرمان..
كيف كانت تحرم من لقمة العيش في بيت أهله ،
وكيف كان الزوج يتحول الى وحش كاسر فور عودته منهم
مبررا ذلك ” امي واخواتي تاج فوق راسك “
رغم وعود الشيوخ وعهود الرجال أمام والدها بأن تكمل تعليمها،نكث الزوج بكل المواثيق ،حطم حلمها الدراسي وحولها من طالبة جامعية طموحة إلى سجين بين أربعة جدران ،لاتملك من أمرها شيئا سوى الصبر المر ..
الولادة في منفى والطلاق المر
حتى لحظة الأمومة المقدسة ،لم تشفع لها والسبب وشاية كاذبة من آلام وجدت “ز” نفسها مطرودة من بيتها وابنتها لم تتجاوز الاربعين يوما
كاد العناد أن يدمر عائلتها : عراك بالسلاح ،سجن الاب والاخ ،وتهديدات بالجلطة لوالدتها ..وحرصا عليهم
عادت “ز” بشرط أهله : ممنوع دخولها بيت العائلة .
تحولت إلى سجينة في زاوية معزولة ،مقطوعة من أهلها الذين قاطعوها بسبب عودتها .انتهت فصول هذه المأساة ب”9″ غرز في الرأس لتوثق بصمة وحشية لزوج مريض نفسيا ،وضحية لم يبق لها سوى الحطام
في لحظة إدراك ..أعلنت الثأر لكرامتها..غادرت سجنها الى منفى لانهاية له
وهناك قررت الانفصال والبدء من جديد..
وبعد صراعات طويلة ،من مجتمع يرفض المرأة المطلقة عادت إلى الدراسة ..بحثت عن عمل يوفر لها قوت يومها
حققت حلمها..ومشوار العمل جاءت ثمارها
كبرت الطفلة فأصبحت عروس..
تعلمت من والدتها كيف تقود نفسها إلى حياة جميلة
وكانت “ز” المرأة الحديدية التي اوصلت ابنتها الى بر الامان
لم تكن قصص هؤلاء النساء مجرد حكايات عن النجاح ،بل كانت دروسا في كيفية تحويل الانكسار إلى جسر العبور
هن نماذج غيض من فيض لواقع نسائي يرفض الاستسلام..
وفي الختام يبقى السؤال مطروحا :
كم من إرادة حديدية أخرى لاتزال تنتظر الفرصة لتخرج إلى النور
فرحلة الالف ميل تبدا بخطوة
