هيئة التحرير / وكالة سنا الاخبارية
الحكومة المنتهية ولايتها بعد ستين يوماً : قراءة تفسيرية وقانونية وقضائية وسياسية واجتماعية
أولاً: البعد التفسيري:
الحكومة هي تجسيد مؤقت للسلطة التنفيذية، تعمل ضمن إطار الدستور والقانون، وتنتهي مهمتها بانتقال السلطة إلى حكومة جديدة. بعد مضي ستين يوماً على انتهاء مدتها الدستورية، تصبح أشبه بمرحلة “ما بعد العبور”: فلا القرارات التي تصدر عنها تمثل شرعية مطلقة، ولا بقاؤها في السلطة يعد أصلاً دستورياً، بل هي فترة أشبه بـ”الخاتمة” التي تسبق كتابة فصل جديد من التاريخ السياسي للدولة.
ثانياً: البعد القانوني:
من الناحية القانونية:
- انتهاء الولاية يعني أن رئيس الوزراء والوزراء والمستشارين والوكلاء والمدراء العامين والحمايات والحاشيات يفقدون صفتهم الرسمية، وبالتالي تزول عنهم الحصانة السياسية والقانونية الخاصة التي ارتبطت بمناصبهم الا ما استثني او ذو حظ عظيم .
- المسؤولية اللاحقة: تنفتح ملفات المساءلة القانونية والإدارية أمام القضاء والبرلمان وهيئات النزاهة والرقابة.
- حقوقهم وواجباتهم: يحتفظ المنتهية ولايتهم بحقوق تقاعدية أو امتيازات مقررة بالقوانين، لكنهم لا يمتلكون أي سند للاستمرار بالتصرف بسلطات الدولة.
- القرارات المتخذة في نهاية الولاية تخضع غالباً للطعن أمام المحكمة الاتحادية أو مجلس الدولة، خاصة إذا شابها تجاوز للصلاحيات أو تعارض مع مبدأ تداول السلطة.
ثالثاً: البعد القضائي:
القضاء يقف هنا أمام مسؤوليتين أساسيتين:
- حماية الشرعية الدستورية: عبر التأكيد على انتهاء الولاية ومنع أي تمديد غير دستوري.
- المساءلة والمحاسبة: إذا وُجدت ملفات فساد أو استغلال نفوذ أو تجاوزات خلال مدة الحكم، فإن انقضاء الولاية لا يسقط المسؤولية القضائية. بل بالعكس، انتهاء السلطة التنفيذية يفتح الباب لملاحقة المتورطين بلا حصانة سياسية بصورة عامة .
رابعاً: البعد السياسي :
من الناحية السياسية :
- صورة الحكومة بعد ستين يوماً ستتحول إلى “موقف” يُكتب في ذاكرة الشعب:
إما إنجازات يذكرها الناس بالخير، أو إخفاقات وخروقات تُثقل على سمعتها وتلاحق قادتها. - النفوذ السياسي: ينكمش تدريجياً، فلا وزارات ولا قوات حماية ولامستشارون ولا أدوات سلطة تنفيذية. يبقى فقط رصيدها الشعبي والحزبي.
- المحسوبون عليها من الأقارب والأصهار والمستشارون والحمايات يفقدون امتيازاتهم، وتنكشف الأغطية السياسية التي كانت تحميهم ان وجدت خروقات قانونية او ادارية .
- الفراغ السياسي الذي تتركه الحكومة يصبح فرصة للحكومة الجديدة لترسيخ سلطتها أو لمعالجة تراكمات الماضي.
خامساً: البعد الاجتماعي:
على المستوى الاجتماعي:
- ذاكرة الناس هي المقياس الحقيقي، فمن استفاد وتمتع من الحكومة سيدافع عنها، ومن تضرر منها سيحمل ضدها السخط والنقد.
- صورة المسؤول بعد السلطة تتبدل، إذ يتحول الوزير أو الرئيس أو المستشار او الحمايات من صاحب قرار إلى “مواطن عادي”، محكوماً بالاحترام أو الاستهجان الاجتماعي بحسب تاريخه.
- المجتمع عادة ما يُعيد فرز رموزه :
فإما يُخلّد منجزاتهم ويستحضر إيجابياتهم، أو يُدينهم ويلعن فسادهم او خروقاتهم ان وجدت . - العدالة الاجتماعية تكمن في أن الموقف النهائي – إيجابياً كان أم سلبياً – لا تصنعه السلطة، بل يكتبه الشعب والتاريخ والوثائق .
المستخلص النفسي والقانوني والقضائي والتاريخي :
الحكومة المنتهية ولايتها بعد ستين يوماً حتماً ستفقد سلطتها وامتيازاتها، ويبقى سجلها فقط.
رئيس الوزراء ووزراؤه وحماياته ومستشاروه وأقاربه ووكلاؤه ومدراؤه العامون والمقربون يغادرون مواقعهم، لان الحكومة الجديدة اللاحقة وبحكم { قانون الازاحة } ستزيح الحكومة السابقة وتأتي بأخرى لتُزاح هي الاخرى ، وهذا ديدن التاريخ السياسي مع الاستثناءات حتماً .
لكنهم يتركون وراءهم إرثاً تتداوله الذاكرة الشعبية:
اما إنجازات أو إخفاقات، إصلاحات أو فساداً، موقفاً إيجابياً أو سلبياً يسجله التاريخ بكل كبيرة وصغيره .
وبذلك، فإن النهاية الحقيقية لأي حكومة ليست بمرسوم انتهاء ولايتها، بل بالحكم الذي يكتبه التاريخ في ضمير المجتمع والقانون، حيث لا يبقى إلا “الموقف الايجابي او السلبي”وايهما اكثر ، ومن الذي استفاد ومن الذي تضرر .
وانا ارى من وجهة نظر قانونية ودستورية يجب ان تسقط عن كل من تنتهي مسؤوليته ومكانته من المستشارين والحمايات واصحاب النفوذ والحاشيات ان تسقط امتيازاتهم وجوازاتهم الدبلوماسية بانتهاء الغرض الذي انُشأ وتحقق من اجله او تحقق بسببه .
والقاعدة العقلية والشرعية والقانونية التي نحتكم إليها يمكن صياغتها :
“العلّة بزوالها تزول معلولاتها”
أي أن السبب الذي منح الامتياز (المسؤولية والمنصب) إذا زال، فإن آثاره وزخارفه تسقط معه بالضرورة.
ولذلك فإن :
- المنصب هو العلّة:
ما دام الشخص في موقع المسؤولية، يُمنح صلاحيات وحمايات ومميزات لأنها وسائل لتمكينه من أداء الواجب. - الامتيازات هي المعلول:
هذه الامتيازات ليست حقاً شخصياً ثابتاً له، بل هي نتيجة مؤقتة مرتبطة بصفته الوظيفية. - عند زوال المنصب:
ينقطع الرابط العقلي والشرعي بين “الصفة” و”الامتياز”، فيسقط المعلول بسقوط العلّة
سالم حواس الساعدي
مستشار قانوني واعلامي
تخصص دقيق عمليات نفسية