هيئة التحرير / وكالة سنا الاخبارية
حتى سنوات ليست بعيدة، لم يكن في وسع أي زائر لبغداد أن يعبر زقاقًا أو شارعًا داخليًا من دون أن تلمح عيناه كرةً تتقاذفها أقدام الأطفال، وصخب أصواتهم يتعالى كأنهم في ملعب رسمي، رغم أن الأرضية كانت إسفلتًا متشققًا أو ترابًا غير مستوٍ. كانت مشاهد الصبية الحفاة وهم يركضون خلف كرة مرقعة جزءًا أصيلًا من ملامح العاصمة، وطقسًا يوميًا يعكس شغفًا فطريًا بالرياضة. لكن هذه الصور الشعبية الآسرة بدأت تتراجع شيئًا فشيئًا، حتى صارت اليوم ذكرى محمولة في ذاكرة جيل كامل، بينما هاجرت كرة القدم من الشوارع إلى ملاعب التارتان الحديثة، حيث الانضباط والرسوم والوقت المحدد.
الشارع ملعبنا
في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، كان الشارع هو الاستاد الحقيقي للأطفال والشباب في بغداد. لم تكن هناك حاجة إلى تجهيزات باهظة أو ملابس رياضية أنيقة. يكفي أن تتوفر كرة جلدية قديمة أو حتى كرة بلاستيكية رخيصة الثمن لتبدأ المباراة. الأحذية المهترئة كانت تُستبدل أحيانًا بالركض حفاة، والأحجار أو الأحذية القديمة تُنصب كمرمى في طرفي الزقاق. كانت المباريات تبدأ بعد الظهيرة وتستمر حتى ساعات متأخرة من الليل، خاصة في أيام الصيف حين يخف وهج الشمس وتنعش نسمات المساء الأجواء.
كان اللعب في الشارع يعني العفوية المطلقة، بلا حجز ولا قيود ولا لوائح. أي طفل يمر من أمام المباراة يمكنه الانضمام فورًا، لتتحول اللعبة إلى مهرجان جماعي مفتوح، حيث المعلق هو صديق يصرخ على الهامش، والجمهور هو سكان الحي الذين يطلّون من نوافذهم أو يجلسون أمام أبواب بيوتهم لمتابعة مهارات اللاعبين الصغار.
التغيرات التي اجتاحت المشهد الكروي الشعبي
مع بداية انتشار ملاعب التارتان الخماسية في بغداد، بدأ التحول التدريجي. هذه الملاعب التي زُوّدت بأرضيات ملساء وإضاءة كاشفة وتنظيم أكثر احترافية، بدت في البداية مجرد إضافة لمشهد كرة القدم الشعبية، لكن سرعان ما أخذت مكان الشارع وأصبحت الخيار الأول لدى غالبية الشباب.
أبو علي، صاحب محل في منطقة البياع، يتحدث بحنين عن تلك الأيام: “في السابق، كنت أضطر إلى تحريك بضاعتي من أمام المحل مساءً خوفًا من كرة قد تطير وتكسر الزجاج، أما الآن فاختفت تلك المشاهد تمامًا. الأولاد صاروا يتجهون إلى ساحات التارتان بدل الشوارع.”
وإلى جانب انتشار الملاعب الحديثة، لعبت الظروف الأمنية والاجتماعية دورًا بارزًا في اختفاء كرة الشارع. سنوات الاضطرابات دفعت الأهالي إلى منع أولادهم من البقاء خارج المنزل حتى ساعات متأخرة، فيما زادت أعداد السيارات وضاقت الأزقة نتيجة التوسع العمراني، لتصبح ممارسة اللعبة في الشوارع أكثر خطورة وتعقيدًا.
ما الذي خسرناه؟
لا شك أن ملاعب التارتان منحت اللاعبين بيئة أكثر أمانًا وتنظيمًا، فهي مجهّزة ومضاءة وتوفر أرضية أفضل للحركة. لكنها في المقابل جرّدت كرة القدم من عفويتها الشعبية وروحها الجامعة. الدخول إليها يتطلب حجزًا مسبقًا ودفع أجور مالية قد لا تكون في متناول جميع الأطفال. وبذلك تحولت اللعبة من ممارسة يومية متاحة للجميع إلى نشاط نخبوية نسبياً، يرتبط بقدرة العائلة على دفع رسوم الملعب.
يقول حيدر، شاب في الثامنة عشرة من عمره اعتاد اللعب في ملاعب المنصور: “اللعب في التارتان جميل، لكنه مختلف. في الشارع كنت ألعب بحريتي، أي وقت أريد ومن دون أن أدفع شيئًا. أما هنا، فهناك وقت محدد، وعلينا أن نجمع فريقًا كاملًا وندفع الأجرة، وإذا لم يتوفر الفريق، لا نستطيع اللعب.”