هيئة التحرير/ وكالة سنا الاخبارية
بقلم الباحث / سمير علي الكندي
يظن البعض ان هناك فروقات واضحة بين البشر . حقيقة الامر ان الفرق لا يتعدى ما حدث لبطل قصة الهجرة الى الشمال للكاتب( الطيب صالح ) الذي شعر بالانتعاش عندما انتقل من صيف ساخن في بلده السودان الى يوم غائم في لندن وشعر ببرودة الأجواء في مقعده خلف سائق التاكسي وهو ينقله من المطار الى احد احياء لندن حينما قال : ما اجمله من يوم وشعر برعشة برد عظيمة اطفأت سنين من الجمر الافريقي مما آثار امتعاض سائق التاكسي اللندني الذي يفتقد حاله حال كل سكان بريطانيا الى يوم مشمس! .
اذ يبدو ان الفرق فقط في درجات الحرارة وهي التي تمنحك الشعور بالبرد او بالحرارة ويتشكّل بعد ذلك شعورك كما يقول ماركس . الطبيعة هي من تبدأ اولا ثم تأتي السلوكيات والفكر !.
موضوع قديم جديد . ترييف المدن !
شبيهَ المدن كَبل – جِير سخام حتى تتريّف.
وشبي الريف حتى يكون سبّه وقد جاءت منه كل اخلاق أهلنا الطيبة .
قد نكون من أوائل العوائل التي هاجرت من ريف العمارة الى بغداد بسبب الاقطاع والجوع والاضطهاد . جدي ذهب إلى بغداد عام ١٩٢١ عندما علم بتأسيس الجيش العراقي فتطوع في اول سرية خيالة وصار ينتقل بين بغداد والعمارة . استأنس حياة بغداد فليس فيها اقطاع يحاربك فيها على رغيف الخبز . فنقل اليها عائلته بعد ذلك وسط امتعاض من اهله . لم تكن بغداد تختلف كثيرا عن مدينة العمارة حيث كانوا يذهبون اليها أيام الحصاد لتبادل السلع والشاي والسكر مع اصحاب المحال التجارية مقابل قسم من المحصول ، اذ بالرغم من وجود عملات نقدية في حينها الا ان تداولها كان محدودا بالأخص بين سكان الارياف .
ما يميز بغداد عن مدينة العمارة هي انها كانت مقرالحكومة لذا تميزت بكثرة الاعمال رغم قلّة مردودها.
مدن الجنوب وحتى بغداد لم تكن اكثر من شارع او شارعين في عشرينيات القرن الماضي . بغداد لم تكن اكثر من شارع واحد هو شارع الرشيد يربط بين باب المعظم وباب الشرقي ويتوسطه الميدان الذي يؤدي إلى الكسرة من ناحية وإلى الفضل من الناحية الاخرى . باقي الشوارع التي كانت تربط الكسرة والاعظمية عبورا الى الكاظمية كانت فراغات ترابية ولا يمكن تسميتها شوارع .
بغداد لم تكن اكثر من ملتقى لتبادل البضائع . عديد المحلات لبيع المواد الغذائية والسلع . وعديد من البسطيات والاعمال المتوفرة معظمها حمالة ونقل بضائع بعربات تجرها الحمير والبغال . عندما جاء ابو ناجي الانكليز بوجوههم الصفر لون النومي كما تصفه الاغنية العراقية – نومي فزعلي – عَبّد عديد الطرق المتجه الى مقر الحكومة بمحاذات شارع الرشيد ومطلة على نهر دجلة التي كانت المياه فيه قبل بناء السدود ، كافية لعبور السفن التجارية وسفن النقل القادمة من البصرة وهي تحمل البضائع القادمة من الهند .
وفيما كانت هناك بنى اجتماعية في الريف على اساس رابطة الدم امتدادا للنشأة الاولى في التاريخ . كانت هناك مناطقية ومختلف المشارب في المدن . والدليل على ذلك عندما حصل اول تعداد في العراق عام ١٩٣٧ وعندما طلب من المتقدمين للتعداد ذكر القبيلة او العشيرة ، أبناء ارياف الجنوب والغربية ومناطق الشمال الكردي كانت لهم بناهم الاجتماعية فسجّلوا عشائرهم وقبائلهم فيما لجأ ساكني المدن الى التسمّي بمناطقهم فكان الفضلي والكاظمي والعاني والعمارتلي الخ. وهذا ليس سبّة . أناس وجدوا أنفسهم في هذه المناطق عندما تشكّلت . هناك من نزح الى المدينة اول ما تشكلت بسبب عمله او وضعه الصحي او الاجتماعي فعاش فيها وصار من اهلها . وهناك من سكن الريف ابا عن جد وانتقلت فيها عائلته وعشيرته من ريف الى اخر متى ما توفرت الارض الخصبة والماء والأمان. ونفس الأمر ينطبق على سكان المدينة . في مرحلة يقرر حاكم ان ينشأ مدينة ويقول هذه حدودها حتى تصبح مدينة ويُعطى لها اسم وتبنى لها أسوار لحمايتها فيصبح السكان داخل حدود هذه المدينة هم من سكانها ويصبح الريف المحاذي لها قرى وارياف. وامتلكت المدينة بسبب طبيعة الأعمال التي نشأت فيها معالم حضارة ومدنية تختلف عن معالم الحضارة ايضا التي نشأت في الريف بسبب كذلك طبيعة الأعمال التي يزاولها السكان في الريف .
اول حضارة في التاريخ نشأت في القرية ! . الزراعة كانت بداية الحضارة لمن لا يعلم . وأول مدينة تأسست من قرية نمت وأصبحت مدينة !.
ويذهب سكان المدينة الى الريف ويذهب سكان الريف الى المدينة للتبادل الاقتصادي والاجتماعي وكلا منهما يستأنس الاخر فهما كليهما نما وتطورا وتجاوزا المراحل البيئية والتاريخية . فقبل الاف السنين هم جميعا نزحوا من أفريقيا. لم يكن بينهم من هو حضري او ريفي . يأكلون الموز من على شجرة . ثم هبطوا وانتشروا في الارض . يقول والدي انهم ذهبوا الى الكتّاب وهي مدرسة الريف يعلّم فيها القرآن واللغة العربية والحساب في سن صغيرة كما يذهب ابن المدينة الى المدرسة التي كانت طينية في معظمها.
كانت لهم لغة واحدة وان اختلفت لهجاتها بسبب طبيعة المنطقة وطبيعة اعمالهم وهي صيرورة كما يقول هيغل . عديد من الكم بفعل الحاجة ليتحول الى قليل من الكيف وفق الانتقائية الذي يصنعها النجاح والحاجة لفعل دون آخر.
والدي اكمل الصف الأول والثاني الابتدائي في ريف العمارة وعندما نزحوا الى بغداد التحق بالمدرسة في الفضل في الصف الثالث الابتدائي بعد ان قدم ما يثبت وصوله الى هذه المرحلة . وكما كانوا يسكنون في بيوت من طين في الريف نزحوا الى بغداد واجّروا عرصات وبنو فيها بيوتهم من طين ايضا حالهم حال معظم العراقيين . مناطق قليلة كانت بيوتهم من طوب او طابوق وهو عبارة عن طين مفخور والسقف معظمه من الواح من الخشب ومغطى بالخوص والطين ! . وهذه البيوت معظمها كانت عائدة ليهود عراقيين ومسيح وصابئة كانوا يسكنون بغداد ولهم اعمالهم المحددة . يميّزهم قلّة اختلاطهم مع عامة العراقيين بسبب طبيعة مرجعيتهم الدينية التي شكلت بنى اجتماعية تختلف عن طبيعة العراقيين المحافظة .
مناطق بغداد كانت مناطقية يسيطر عليها الشقاوات ! وهذا هو النظام الإداري و البوليسي الذي اعتمد عليه حكم العثمانيين في كل المناطق التي سيطرت فيها الدولة العثمانية في منطقتنا العربية . واستمر هذا الهيكل الأمني المتخلف رغم وجود جندرمة وشرطة درك . وكان حاضرا حتى بعد رحيل العثمانيين وقدوم ابو ناجي مع الضباط الذين خسروا معاركهم مع الجيش العثماني ليلتحقوا بالثورة كنوري سعيد وجعفر العسكري وتوفيق السويدي وغيرهم . وتحالفوا مع امراء الحجاز الذين لم يجدوا لهم مقعد ملكي في نجد والحجاز ليخوضوا معارك في شمال نجد ثم سوريا حتى استقر الحال بهم في بغداد في صفقة مع الانكليز منحت لهم الحكم في العراق .
عاصرت جدي حتى سن الشباب وعشت مع والدي سنين عمري . لم اسمع منهما مفاهيم العشيرة كما تطرح هذه الأيام . والعشيرة كانت بالنسبة لجدي هي فض النزاعات التي تحصل بين الناس . كان يقول ان العشيرة هي لدفع الاذى . أذ في المجر الكبير في ريف العمارة لم يكن هناك شرطي واحد لفض النزاعات التي تحصل . لذا كانت لكل منطقة تسكنها عشيرة ديوان لرئيس العشيرة يستقبل فيها الناس ويتداولون حياتهم ومصائرهم وهو الهيكل الإداري والامني الذي كان متوفر مع غياب لمفهوم الدولة رغم وجودها في مركز كل محافظة التي كانت تسمى ولاية . فبعد انهيار حكم العباسيين لم تكن هناك دولة ولم تؤسس الدول المحتلة للعراق . دولة فارس ودولة العثمانيين اي مظاهر دولة أو معالم حضارة ومدنية في العراق طيلة ٨٠٠ عام من الفوضى والجوع والاضطهاد والقتل على الهوية .اذ كانت دولة فارس تهمّش وتقتل السنة عندما تحتل بغداد وكانت الدولة العثمانية تهمّش وتقتل الشيعة وهذا ما جرى عليه الحال واستمر لغاية قدوم ابو ناجي ومملكة العراق .
لذا في عام ١٩٢١ تاريخ ولادة دولة العراق كان تاريخ بداية تشكّل مدن العراق وريفه. ومن استحسن المدن ذهب اليها ومن قرر حياة الريف بقى فيها . ومن المؤكد ان هذا الامر احتاج وقتا تجاوز ٣٠ عاما حتى استقر لمن أراد حياة المدينة ومن أراد حياة الريف .
وهذا ما حدث في تشكّل كل المدن والدول في العالم . أوربا كلها كانت باستثناء دولة بيزنطة عبارة عن قبائل فرسان مسلحين وقطاع طرق . ومن خليط القوميات والمرجعيات الفكرية والدينية تنشأ البنى الاجتماعية . والتأثير الأقوى لظهور البنى الاجتماعية متخلفة كانت او متمدنة . عنفية او متوزانة هو ما تعمل عليه البنى الفوقية التي تمثلها السلطة والقوى المسيطرة وما تدفع به ضغوط الحياة.
ابو ناجي عمل على ثقافة غربية. والناس في بغداد استأنست بها وتأثرت . لساكنيها وللقادمين من الارياف . طالبوا بأراضي سكنية وبأعمال ثابتة وبحقوق. حق الرأي وحق العمل وانخرطوا في النقابات والاحزاب وتداولوا الديموقراطية الناشئة . حتى الحزب الشيوعي العراقي الذي كان معظم اعضاءه من الوافدين الى بغداد ويسكنون الصرائف كان حزب مسالم ولم يطرح مطلقا في بياناته الكفاح المسلح وكان حزب مطلبي لغاية سقوط الملكية.
تخيّل ان الريفيين ومن الجنوب تحديدا هم من كانوا العمود الأساس لأكبر حزب مدني علماني في العراق ! وهم وحدهم تقريبا من دافعوا عن أول نظام جمهوري في العراق ضد الفاشية والهمجية طرح الفكر العلماني وساوه بين الرجل والمرأة حتى في الميراث ! .
تخيّل ان الجنوبيين الذي يسكنون الصرائف كانوا ماركسيين مُلحدين في الضد من الفكر القومي المتشدّد وبالضد من الفكر الاسلامي المتطرف !.
ويجيك واحد يقول ؛ ترييف المدن !.
يمعودين لو ما هجرة اهل الجنوب لبغداد جان هسه شقاوات الفضل هم من يحكموا بغداد بالقامة .والدي يقول ان شباب الفضل كانوا يعتبرون الدراسة عيب والثقافةتؤنث الرجال . والرجّال هو اللي يجيب قوته بذراعه . وكانوا يرمون بالطوب كل من يذهب الى المدرسة .
عمي لو ما اهل الجنوب جان ظلينا بطرك عباس جميل مغني ، كما يقول احد المهتمّين بالوسط الفني.
٢٥ آب ٢٠٢٥
