هيئة التحرير/وكالة سنا الإخبارية
منذ عقود، ارتبطت هوية الإذاعات بأصوات مذيعيها المميزين؛ فعندما تفتح المذياع وتستمع إلى صوت معين، تستطيع أن تتعرف إلى الإذاعة التي تبثه، سواء كانت إذاعة بغداد أو صوت الجماهير أو إذاعة الكويت أو إذاعة القاهرة. ويعود ذلك إلى ما يمتلكه المذيع من خصائص صوتية وأسلوب في الأداء والإلقاء، تجعله قادراً على رسم صورة ذهنية في مخيلة المستمع، اعتماداً على صوته ونبراته وطريقة تقديمه للمادة المسموعة.
وهنا تكمن أهمية فن الإلقاء الإذاعي، الذي يمثل القدرة على توظيف الحروف والكلمات والنبرات والنغمات بصورة صحيحة ومؤثرة، ليكون الصوت أحد أبرز عناصر هوية الإذاعة ووسيلتها في التواصل مع الجمهور.
وتتعدد مواصفات المذيع الناجح ومقوماته، إذ ينبغي أن يكون مثقفاً ومفكراً وقادراً على التأثير في المتلقي، فضلاً عن امتلاكه ثقافة متنوعة وإتقان اللغة العربية. كما يجب أن يتمتع بالقدرة على التعامل مع المواقف الحرجة وتجاوزها بسرعة وهدوء، من دون ارتباك، ولا سيما عندما يكون على الهواء مباشرة.
ومن الضروري أيضاً أن يتقن مخارج الحروف وسلامة اللفظ والنطق، وأن يحسن التعامل مع الكلمات الأجنبية، مع امتلاكه صوتاً واضحاً ومميزاً، وشغفاً بمهنته وإلماماً بأدواتها. ولا يتحقق النجاح من دون تطوير مستمر للمهارات، من خلال التعلم والبحث والاطلاع على تجارب الآخرين، إلى جانب اعتماد أسلوب طبيعي وتلقائي في القراءة والتقديم، بعيداً عن التكلف والتصنع.
أما المذيع المحاور، سواء في الإذاعة أو التلفزيون، فتتطلب منه مهنته الاستعداد المسبق للحوار، والبحث في موضوعه ومحاوره، وتحديد هدف واضح وواقعي يسعى إلى تحقيقه، بما يضمن وصول الفكرة إلى المتلقي بعيداً عن التشتت والدخول في تفاصيل لا تخدم الموضوع.
كما ينبغي للمذيع أن يحافظ على مسار الحوار، وألا يترك إدارته للضيف، مع اختيار أسئلة واضحة ومباشرة ومختصرة، والابتعاد عن الإطالة التي قد تشتت الانتباه أو تبعد النقاش عن هدفه الأساسي. وينبغي أن ينتهي الحوار بخلاصة مفيدة وهادفة، تتيح للمستمع أو المشاهد الحصول على المعلومات التي أُجري الحوار من أجلها.
ومن الأمور المهمة التي ينبغي أن يتحلى بها المذيع خلال الحوار الابتعاد عن الغرور والأنانية، واحترام الضيف وعدم تجاهله، وحسن الإصغاء إليه، فضلاً عن استخدام تعابير وجه طبيعية ومريحة، ممزوجة بابتسامة مناسبة، تسهم في خلق أجواء من الألفة والارتياح النفسي. فالمطلوب أن يشعر الضيف بأنه أمام محاور يسعى إلى فهم القضية ومناقشة جوهرها، لا إلى استهدافه أو إحراجه.
ومن هذا المنطلق، أنصح الشباب الجدد العاملين في المجال الإذاعي بالانخراط في الدورات التدريبية المتخصصة، من أجل صقل مواهبهم وتطوير إمكاناتهم المهنية، ولا سيما في مجالات التدريب الصوتي، وفن الإلقاء، وسلامة اللغة العربية، وإدارة الحوارات، والتعامل مع البث المباشر.
ولا بد لنا، في هذا السياق، من التأكيد على أهمية احترام المهنة التي تعلمناها، وتقدير الزملاء العاملين معنا، والمبادرة إلى مساعدتهم والتعامل معهم بروح حضارية ومهنية. فنجاح العمل الإذاعي والتلفزيوني لا يعتمد على جهود الفرد وحده، بل يقوم على التعاون والانسجام والعمل بروح الفريق الواحد.
كما أن الاهتمام بالمظهر اللائق والأناقة يمثلان جانباً مكملاً للصورة المهنية للمذيع، إلى جانب كفاءته وثقافته وحضوره وقدرته على التواصل مع الجمهور.
ختاماً، إن إتقان فن الإلقاء الإذاعي لا يتحقق بالصوت الجميل وحده، بل يحتاج إلى الثقافة والتدريب والممارسة المستمرة، والثقة بالنفس، واحترام المستمع، والإيمان برسالة الإعلام وأهميتها في بناء الوعي ونقل المعرفة.
متمنياً للشباب العاملين في المجال الإذاعي مزيداً من التقدم والنجاح في كل خطوة قادمة.