هيئة التحرير/ وكالة سنا الإخبارية
أقولها لك اليوم لا بصفتي ناقدًا، ولا بصفتي استاذك ولا من يوزع شهادات الإعجاب، وإنما بصفتي من يرى فيك فنانًا أحب المغامرة، وعرف كيف يشق لنفسه طريقًا مختلفًا في مسرح ليس سهلًا، وفي زمن أصبح فيه كثيرون يفضلون الطريق المضمون على الطريق الذي يحمل الأسئلة والمخاطر.
أنت فنان مغامر بذكاء، وعاشق لفنك، وهذه صفة جميلة، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية. فمن يركب هذا المركب الصعب عليه أن يعرف أن البحر لا يخلو من الذين يراقبون من الشاطئ، ولا يخلو أيضًا من أولئك الذين يجلسون تحت الشجرة، ينتظرون سقوط الثمرة لكي يأكلوها، من دون أن يعرفوا كم من التعب احتاجت تلك الثمرة حتى تنضج.
يا أنس…
حين يصبح للفنان مشروعه، وتصبح له بصمته، ويكون حول تجربته مريدون ومتابعون ينتظرون جديده، أعتقد أن عليه أن يعيد النظر في علاقته بالمسابقات والمهرجانات.
ليس كل سباق يستحق أن ندخل إليه.
وليس كل جائزة تضيف شيئًا إلى الفنان.
وأحيانًا يكون عدم الدخول في المسابقة أكثر تعبيرًا عن الثقة بالنفس من الوقوف في طابور طويل بانتظار حكم لجنة قد ترى التجربة من زاوية واحدة.
وهنا أقول لك أيضًا: لا تجعل تجربتك رهينةً لأحكام لجان التحكيم.
أنا لا أنتقص من دور الحكام، فهناك نقاد وفنانون وباحثون يمتلكون خبرة حقيقية، ويعرفون كيف يقرأون العمل من داخله. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول لجنة التحكيم إلى مجموعة من الأذواق الشخصية، أو عندما تُقاس التجارب الجديدة بمسطرة قديمة، أو عندما يصبح العمل الأقرب إلى ذائقة الحكم هو العمل الذي يستحق الجائزة.
الفنان المغامر يحتاج إلى حكم يستطيع أن يفهم مغامرته، لا إلى حكم يبحث عن نسخة مما يعرفه مسبقًا.
وأخشى أحيانًا أن تكون بعض المسابقات قد جعلت الجائزة هدفًا، بينما ينبغي أن يكون الهدف هو الفن نفسه.
لذلك يا أنس، إذا وصلت إلى مرحلة تشعر فيها أن مشاركتك في مهرجان ما لن تضيف إلى تجربتك، فلا تتردد في أن تكون ضيفًا بدل أن تكون متسابقًا.
الضيف يأتي بتجربته، لا ليطلب شهادة من أحد، وإنما ليقدم ما لديه، ويتحاور مع الآخرين، ويترك أثرًا.
وأنا شخصيًا أرى أن دخولك في المهرجانات العالمية، حيث تلتقي تجارب مختلفة وثقافات وأساليب مسرحية متعددة، يمكن أن يمنح تجربتك مساحة أوسع للحوار والتجربة. أما أن تدخل كل مسابقة محلية أو عربية لمجرد أن هناك جائزة تنتظر في نهايتها، فأنا أتمنى أن تفكر مليًا قبل أن تفعل.
لقد وصلت إلى مرحلة ينبغي أن تسأل فيها نفسك:
هل أنا بحاجة إلى الجائزة، أم أن الجائزة هي التي تحتاج إلى تجربة مثل تجربتي؟
لا أقول لك هذا غرورًا، ولا أدعوك إلى الابتعاد عن الناس أو المهرجانات، وإنما أدعوك إلى أن تعرف قيمة ما صنعت.
هناك من يجلس تحت الشجرة منتظرًا سقوط الثمرة، وهناك من زرع الشجرة وسقاها وصبر عليها حتى أثمرت.
وأنت اخترت أن تزرع.
فلا تجعل الذين ينتظرون الثمار يقنعونك بأن قيمة الشجرة تُقاس بعدد الذين صفقوا لها.
يا ولدي وصديقي أنس…
حافظ على جنونك الجميل، لكن اجعله جنونًا محسوبًا.
غامر، ولكن لا تسمح للآخرين أن يحددوا لك مساحة المغامرة.
شارك حين تكون المشاركة إضافة.
وانسحب حين تشعر أن وجودك مجرد رقم في قائمة.
وادخل المسابقات العالمية حين تجد فيها فضاءً حقيقيًا لتجربتك.
وفي غيرها، كن ضيفًا عزيزًا يحمل تجربته وكرامته ومشروعه.
فالفنان لا يعيش من الجوائز وحدها.
الفنان يعيش بما يتركه من أثر.
وقد تأتي لحظة لا يعود السؤال فيها:
كم جائزة حصل عليها أنس عبد الصمد؟
بل:
ماذا ترك أنس عبد الصمد في ذاكرة المسرح؟
وهذا، يا أنس، هو السؤال الذي أتمنى أن تظل مشغولًا به حتى آخر رفع ستارة.


