هيئة التحرير/ وكالة سنا الإخبارية
كتبت القصة بقلم: مشتاق كارلو
هناك رجال تكتب اسماءهم الاوامر العسكرية وهناك رجال يكتبهم التاريخ. ليس لانهم حملوا اعلى الرتب ولا لانهم جلسوا في ارفع المناصب بل لانهم اختاروا ان يكونوا في المكان الذي يحتاجهم فيه الوطن مهما كانت المخاطر ومهما كان الثمن. وفي تاريخ العراق الحديث الذي امتلأ بالحروب والتحولات والازمات برزت شخصيات عسكرية ارتبط اسمها بمحطات مصيرية كان عليها ان تتخذ قرارات في لحظات لم تكن تحتمل التردد. ومن بين تلك الاسماء يبرز الفريق الاول الركن الدكتور قيس خلف رحيمة المحمداوي بوصفه واحدا من القادة الذين امتدت مسيرتهم بين ميادين القتال وغرف العمليات وبين التخطيط الاستراتيجي والقيادة الميدانية في رحلة تجاوزت حدود المنصب لتصبح جزءا من ذاكرة المؤسسة العسكرية العراقية… ولد في محافظة ميسان وتخرج في الكلية العسكرية الاولى عام 1984 ليبدأ طريقا عسكريا طويلا لم يتوقف عند حدود الخدمة الميدانية بل رافقه ايمان راسخ بان القائد لا يكتمل بالسلاح وحده وان المعرفة هي السلاح الذي يسبق البندقية. لذلك واصل دراسته حتى حصل على الماجستير في العلوم العسكرية ثم الماجستير في استراتيجية الامن الوطني قبل ان ينال الدكتوراه في العلوم السياسية ليجمع بين الخبرة الميدانية والرؤية الاكاديمية وهي معادلة نادرة في حياة كثير من القادة. لكن السنوات التي صنعت اسمه الحقيقي لم تكن داخل قاعات الدراسة بل في ميادين القتال. فبعد عام 2003 وجد العراق نفسه امام واحدة من اصعب مراحله مع انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة والتنظيمات الارهابية التي حاولت فرض واقع جديد بقوة السلاح… وفي بداية عام 2004 عاد قيس المحمداوي الى الخدمة العسكرية برتبة عميد ركن وكان من بين عدد قليل جدا من الضباط الذين عادوا بهذه الرتبة ليتحملوا مسؤوليات ميدانية مباشرة في مرحلة كانت البلاد بأمس الحاجة فيها الى ضباط يمتلكون الخبرة والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار… لم تكن المهمة سهلة… فقد صدر الامر بتكليفه بقيادة اللواء العاشر في قضاء تلعفر المدينة التي كانت في ذلك الوقت واحدة من اعقد ساحات الصراع في العراق ومحورا رئيسيا لخطط تنظيم القاعدة الارهابي الذي كان يسعى الى فرض سيطرته عليها وتحويلها الى قاعدة لانطلاق عملياته في شمال البلاد. كانت تلعفر مدينة متعددة القوميات والمذاهب وهذا التنوع منحها اهمية استثنائية لكنه جعلها ايضا هدفا لمحاولات بث الفتنة والانقسام. ومنذ اللحظة الاولى ادرك المحمداوي ان المعركة لن تكون ضد عدو يحمل السلاح فقط بل ضد مشروع يريد تمزيق المجتمع من داخله. امتدت قيادته للواء العاشر من شباط عام 2004 وحتى مطلع عام 2008 وهي سنوات كانت من اكثر المراحل دموية وتعقيدا في تاريخ القضاء. كانت المواجهات تدور داخل الاحياء والازقة والبيوت وفي محيط المدينة وصحاريها في حرب تختلف عن كل ما عرفته الجيوش النظامية حيث يختلط المدني بالمسلح وتتحول كل زاوية الى احتمال لكمين او عبوة او قناص. ومع ذلك لم تكن المعركة بالنسبة له مجرد عمليات عسكرية بل معركة لحماية جميع سكان تلعفر بكل قومياتهم ومذاهبهم والحفاظ على وحدة المدينة في مواجهة تنظيم اراد ان يجعلها نموذجا للفوضى والانقسام. ويروي عدد من الضباط الذين خدموا معه ان اسلوبه في القيادة كان يقوم على التواجد الميداني والمتابعة المباشرة والعمل الاستخباري وبناء جسور الثقة مع الاهالي انطلاقا من قناعة بان نجاح اي عملية عسكرية لا يتحقق بقوة النار وحدها بل بفهم المجتمع الذي تدافع عنه. وخلال تلك السنوات اخفق تنظيم القاعدة رغم ما امتلكه من عناصر وامكانات في تحقيق هدفه بالسيطرة على القضاء بعد صمود القوات الامنية المتمثلة باللواء العاشر وشرطة تلعفر وبمساندة ابناء المدينة الذين رفضوا الوقوف الى جانب الارهاب واختاروا الدفاع عن مدينتهم. ولعل اكثر المواقف دلالة على العلاقة التي تشكلت بين القائد والمدينة ما حدث عند صدور قرار نقله الى منصب رئيس اركان الفرقة الثالثة في الكسك. فبحسب ما يرويه عدد من ابناء تلعفر وضباط تلك المرحلة، رفضت جموع من الاهالي مغادرته وتجمعوا حول موكبه لساعات طويلة مطالبين ببقائه في مشهد لم يكن يعبر عن الود الشخصي فحسب بل عن حجم الثقة التي تولدت خلال سنوات المواجهة. لم يكن ذلك وساما عسكريا لكنه كان شهادة من مدينة عاشت الحرب بكل تفاصيلها ورأت في قائدها رجلا لم يغادرها في اصعب الظروف. وفي تلك السنوات ترسخت لدى المحمداوي قناعة سترافقه في جميع المناصب التي تولاها لاحقا. كان يقول ان المعركة لا تبدأ عند اطلاق النار بل تبدأ عند جمع المعلومة الصحيحة. وان القائد الذي يعرف عدوه جيدا يستطيع ان يوفر على جنوده الكثير من الدماء. ولهذا كان يعطي الاستخبارات والتخطيط والتنسيق بين التشكيلات اهمية لا تقل عن اهمية القوة النارية وهي فلسفة ستظهر بوضوح في كل المحطات التالية من مسيرته.لكن العراق كان على موعد مع تحد اكثر خطورة. ففي غرب بغداد بدأت ملامح تنظيم جديد تتشكل يحمل فكرا اكثر تطرفا وقدرات اكبر على المناورة ويستعد لمعركة ستكون الاخطر في تاريخ العراق الحديث.. وهناك كانت تنتظر قيس المحمداوي مسؤولية جديدة ومساحة اوسع من النار واختبارا سيجعل اسمه يرتبط باحدى اصعب مراحل الدفاع عن العاصمة العراقية…
لم تكن السنوات التي قضاها في تلعفر نهاية المواجهة بل كانت تمهيدا لمرحلة أكثر تعقيدا. فالعراق كان يدخل منعطفا أمنيا خطيرا والتنظيمات الارهابية كانت تعيد ترتيب صفوفها استعدادا لمعركة أكبر فيما كانت بغداد تقف على أعتاب واحدة من أخطر التحديات في تاريخها الحديث… ومع تصاعد نشاط تنظيم داعش الارهابي أوكلت الى المحمداوي قيادة الفرقة السادسة وهي واحدة من أكثر فرق الجيش العراقي حساسية بسبب طبيعة قاطع مسؤوليتها الذي يمتد غرب العاصمة من الزيدان والرضوانية وأبو غريب ودويلبة والرفوش وصولا إلى عامرية الفلوجة وتخوم مطار بغداد الدولي… لم يكن ذلك القاطع مجرد مساحة جغرافية واسعة بل كان يمثل الحاجز الأخير قبل بغداد. وكانت كل منطقة فيه تحمل أهمية استراتيجية لأن أي خرق فيها كان يعني اقتراب الخطر من قلب الدولة ومؤسساتها… في تلك المرحلة كانت مساحات واسعة من عمق الأنبار واقعة تحت سيطرة تنظيم داعش الذي سعى مرارا إلى كسر خطوط الدفاع والتقدم باتجاه العاصمة. لكن قطعات الفرقة السادسة ومعها التشكيلات الساندة خاضت معارك استنزاف متواصلة حالت دون تحقيق ذلك الهدف… ويروي ضباط خدموا في تلك المرحلة أن المحمداوي لم يكن قائدا يكتفي بمتابعة التقارير داخل مقرات القيادة بل كان يؤمن أن القائد الحقيقي يجب أن يرى الميدان بعينيه وأن يعيش ما يعيشه جنوده. لذلك كان وجوده في الخطوط الأمامية أمرا معتادا حتى اعتاد الضباط والمراتب أن يجدوه بينهم في المواقع الأكثر خطورة يتابع تفاصيل الاشتباكات ويوجه القطعات من قلب المعركة… لم يكن ذلك استعراضا للشجاعة بل أسلوبا في القيادة آمن به منذ سنواته الأولى. وكان يردد أن القائد الذي يطلب من جنوده الصمود يجب أن يكون أول من يتحمل المخاطر. وفي إحدى تلك المواجهات، تعرض لإصابة مباشرة بإطلاقة قناص أثناء وجوده في الخط الأول. ورغم خطورة الإصابة بقي أثرها شاهدا على مرحلة كان فيها القائد يتقدم مع جنوده لا يقودهم من خلف الشاشات أو المكاتب… غير أن أخطر ما واجه الفرقة السادسة لم يكن دائما هجوما مسلحا… فعندما عجز تنظيم داعش عن اختراق مواقع الصد والتقدم نحو بغداد لجأ إلى أسلوب مختلف تمثل بمحاولة استغلال السدود والقنوات المائية وتحويل مجرى مياه الفرات باتجاه مواقع القوات الأمنية بهدف إغراقها وإجبارها على الانسحاب تمهيدا لفتح ثغرة يمكن النفاذ منها إلى العاصمة. كانت تلك واحدة من أكثر المحاولات تعقيدا لأنها حولت الماء إلى سلاح وجعلت القوات تواجه خطرا طبيعيا مصطنعا بالتوازي مع خطر الهجمات المسلحة… لكن القيادة تعاملت مع الموقف بسرعة. فجرى تقييم حجم التهديد وإعادة تنظيم انتشار القطعات وتعزيز السواتر والعمل على تحويل مسارات المياه بما حافظ على تماسك المواقع ومنع انهيار خطوط الدفاع.. ولم يكن النجاح في تلك المواجهة مجرد نجاح هندسي أو عسكري بل كان نجاحا في إدارة أزمة مركبة أثبت أن القيادة لا تختبر فقط تحت نيران العدو وإنما أيضا في قدرتها على التكيف مع أساليب غير تقليدية في الحرب… ومع استمرار المعارك بقيت مواقع الفرقة السادسة صامدة لتتحول إلى السد الذي حال دون وصول التنظيم إلى بغداد من جهتها الغربية في وقت كانت فيه العاصمة تعيش ظروفا أمنية بالغة الحساسية… غير أن المحمداوي وهو يتابع مجريات المعركة كان يدرك أن الدفاع عن بغداد لا يبدأ عند أطرافها فقط وأن المعركة المقبلة ستكون في مكان آخر في فضاء مفتوح لا تحده المدن ولا تحميه الجدران… كان ينظر إلى الصحراء الغربية بوصفها مفتاح الأمن ويرى أن تركها فراغا سيمنح التنظيم فرصة لاختيار زمان ومكان الهجوم. وحين انتقل إلى قيادة عمليات الفرات الأوسط حمل معه تلك القناعة لكنه حولها هذه المرة إلى مشروع دفاعي متكامل… في أول اجتماعاته مع قادة التشكيلات طرح رؤية بدت للبعض جريئة في ذلك الوقت لكنها كانت تقوم على قراءة دقيقة لطبيعة التهديد… قال لهم إن المعركة إذا وصلت إلى أبواب كربلاء أو النجف فإن ذلك يعني أن القوات تأخرت في مواجهتها. وأضاف أن واجب القيادة ليس الدفاع عن المدينتين عند حدودهما بل منع الخطر من الاقتراب منهما أصلا حتى لو تطلب ذلك القتال على بعد مئات الكيلومترات في عمق الصحراء. كانت تلك بداية مرحلة جديدة في مسيرته العسكرية وواحدة من أهم المحطات التي ستغير شكل الانتشار الأمني في الفرات الأوسط وتؤسس لفكرة ستبقى حاضرة في ذاكرة من خدموا هناك …فكرة اسمها… الدفاع عن كربلاء وليس عليها…
لم تكن قيادة عمليات الفرات الأوسط بالنسبة للفريق الاول الركن الدكتور قيس خلف رحيمة المحمداوي انتقالا إلى منصب جديد بل كانت انتقالا إلى مسؤولية من نوع مختلف.. فالحديث هنا لم يعد عن قاطع عسكري تقليدي وإنما عن محافظات تمثل ثقلا دينيا ووطنيا وفي مقدمتها كربلاء المقدسة والنجف الأشرف المدينتان اللتان كان تنظيم داعش ينظر إليهما بوصفهما هدفا استراتيجيا يسعى إلى الوصول إليه ليس لتحقيق مكسب عسكري فحسب بل لإحداث صدمة تمس العراق بأكمله.. ومنذ الأيام الأولى لتسلمه قيادة العمليات بدأ المحمداوي بطرح رؤية عسكرية مغايرة لما كان سائدا آنذاك.. لم يكن يؤمن بأن نجاح القائد يقاس بقدرته على الدفاع عن المدينة عندما يصل إليها الخطر بل بقدرته على منع الخطر من الوصول إليها أساسا.. ولهذا كان يردد في اجتماعاته مع القادة والآمرين عبارة بقيت عالقة في أذهان كثير ممن عملوا معه …لن ندافع عن كربلاء والنجف عليهما… بل سندافع عنهما من الصحراء… لم تكن تلك العبارة مجرد حماس عسكري وإنما كانت فلسفة عملياتية متكاملة.. وبناء على هذه الرؤية اتخذ قرارا بتوسيع انتشار القطعات العسكرية إلى مسافات بعيدة عن المدينتين رغم محدودية الإمكانات وصعوبة مسك هذا الامتداد الصحراوي الهائل.. امتدت خطوط الانتشار إلى معمل إسمنت كربلاء وصحراء عين التمر والنخيب وعرعر والهبارية والكسارات وصولا إلى أعماق الصحراء الغربية ليصبح القتال المفترض إذا وقع على بعد يتراوح بين مئة وخمسين ومئتي كيلومتر عن كربلاء والنجف بدلا من أن يكون على أبوابهما… كان يدرك أن هذا القرار يحمل مجازفة عسكرية كبيرة لكنه كان يؤمن أن المجازفة المحسوبة في الصحراء أقل كلفة من معركة تفرض داخل المدن أو عند أطرافها… ومع مرور الوقت أثبتت الأحداث صحة تلك الرؤية إذ تحولت خطوط الانتشار المتقدمة إلى حزام أمني واسع حافظ على استقرار الفرات الأوسط وأبعد خطر التنظيمات الإرهابية عن المدن المقدسة… غير أن هذا الانتشار مهما كان واسعا لم يكن كافيا وحده. فالصحراء الممتدة من أطراف جرف النصر مرورا بالرفيع وبحيرة الرزازة وصولا إلى عين التمر والنخيب وعرعر كانت تمثل فراغا جغرافيا هائلا استغله تنظيم داعش لسنوات في تحريك عناصره وآلياته ونقل الأسلحة والعتاد والاختفاء بين الوديان والمسالك الصحراوية… ومن هنا بدأت ولادة واحد من أهم المشاريع الدفاعية التي شهدها الفرات الأوسط… كان المحمداوي يدرك أن الإنسان وحده لا يستطيع مراقبة مئات الكيلومترات من الصحراء المفتوحة وأن الدفاع الحديث يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين المانع الهندسي والرصد المبكر والسيطرة الميدانية.. وبإسناد كبير من العتبات المقدسة وإمكاناتها الهندسية، انطلق العمل في مشروع دفاعي حمل اسم …عيون الفرات … لم يكن الاسم مجرد تسمية بل كان يعبر عن فلسفة المشروع.. فالهدف أن تمتلك القوات الأمنية عيونا مفتوحة على امتداد الصحراء ترى أي تحرك معاد قبل أن يصل إلى أهدافه..امتد المشروع بحسب الضباط الذين أشرفوا على تنفيذه لمسافة تقارب ثلاثمئة وخمسين كيلومترا من حافة جرف النصر باتجاه الرفيع ثم بحيرة الرزازة وصولا إلى أطراف عين التمر وصحراء النخيب وانتهاء بعرعر.. وشمل إنشاء خندق دفاعي وسواتر ترابية وأبراج مراقبة خرسانية بمعدل برج لكل كيلومتر تقريبا فضلا عن فتح طرق عسكرية ومنظومات مراقبة لتتحول الصحراء من منطقة رخوة إلى واحد من أقوى خطوط الإنذار المبكر في العراق.. وبعد اكتمال أجزاء واسعة من المشروع تولت قطعات الجيش العراقي والشرطة ومعها تشكيلات الحشد الشعبي في كربلاء والنجف مسؤولية مسك هذا الخط والدفاع عنه ليصبح …عيون الفرات… أحد أبرز المنجزات الدفاعية في تلك المرحلة وخطا متقدما لحماية الفرات الأوسط وعموم محافظات الجنوب.. لكن تنظيم داعش لم يتوقف عن البحث عن منفذ… ففي أواخر حزيران عام 2016 وبعد اشتداد العمليات العسكرية في الفلوجة بدأت المعلومات الاستخبارية تشير إلى تحرك غير اعتيادي داخل الصحراء الغربية… في البداية كانت الصورة غير مكتملة.. تقارير متفرقة عن ارتال تتحرك ليلا واتصالات مرصودة، ومعلومات تتحدث عن محاولة واسعة لإخراج عناصر التنظيم وآلياته من الفلوجة باتجاه الصحراء والحدود العراقية السورية… ومع تتابع المعلومات اتضحت الحقيقة.. كان التنظيم يحرك رتلا ضخما يضم مئات العجلات المحملة بالمسلحين والأسلحة والاعتدة في محاولة لإعادة تجميع قواته بعد خسائره داخل الفلوجة واتخاذ الصحراء نقطة انطلاق جديدة لعملياته… كانت واحدة من أخطر اللحظات التي واجهتها قيادة عمليات الفرات الأوسط… وفي غرفة العمليات لم يكن أمام القيادة سوى وقت قصير لاتخاذ القرار… فالانتظار كان يعني ضياع الرتل داخل الصحراء وملاحقته لاحقا ستكون أكثر صعوبة وتعقيدا… أما القرار السريع فقد يعني إحباط واحدة من أكبر محاولات التنظيم لإعادة ترتيب صفوفه… وقبل أن يبزغ الفجر كانت جميع الأنظار تتجه نحو السماء حيث بدأت مرحلة جديدة من تلك المواجهة ستتحول لاحقا إلى واحدة من أبرز العمليات العسكرية التي شهدها الفرات الأوسط خلال الحرب على تنظيم داعش..
لم تكن الدقائق التي سبقت طلوع الفجر مجرد وقت يمر داخل غرفة العمليات بل كانت لحظات يتوقف عليها مصير واحدة من أخطر العمليات التي شهدها قاطع الفرات الأوسط خلال الحرب على تنظيم داعش. كانت المعلومات الاستخبارية تؤكد أن الرتل يواصل حركته في عمق الصحراء وأن كل دقيقة تمر تمنحه فرصة أكبر للتفرق وإعادة تنظيم صفوفه… وبعد دراسة الموقف صدر القرار الذي انتظرته جميع التشكيلات… توجيه ضربة جوية عاجلة إلى مقدمة الرتل لإيقاف حركته ومنع امتداده داخل الصحراء… وبحسب الضباط الذين شاركوا في تلك العملية أصدر المحمداوي أوامره إلى المستشار الجوي لقيادة عمليات الفرات الأوسط اللواء الطيار عبد بتوجيه طائرة من القوة الجوية العراقية من نوع سوخوي كانت موجودة ضمن القاطع لتنفيذ الضربة الأولى… لم يكن الهدف تدمير الرتل بالكامل في تلك اللحظة بل شل حركته وإرباك تشكيله وإجباره على التوقف قبل أن يختفي داخل المسالك الصحراوية الواسعة… وبالفعل انطلقت الطائرة ونفذت الضربة على مقدمة الرتل فأصابت هدفها بدقة لتتوقف حركة مئات العجلات وتبدأ بالانتشار والتفرق في محاولة للنجاة من الضربات اللاحقة… لكن القيادة كانت قد أعدت للمرحلة الثانية… فبينما كانت القوة الجوية تواصل مراقبة الأهداف أقلعت مروحيتان من طراز مي 17 تابعتان لطيران الجيش تحملان قوة صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها عشرين مقاتلا… وكان على متن تلك القوة قائد عمليات الفرات الأوسط الفريق الاول الركن الدكتور قيس خلف رحيمة المحمداوي يرافقه نائب قائد العمليات اللواء علي الهاشمي وقائد شرطة كربلاء اللواء أحمد زويني ومستشار طيران الجيش اللواء حسين الأسدي إلى جانب مجموعة منتخبة من الضباط والمراتب… لم يكن ذلك إنزالا واحدا… بل سلسلة من عمليات الإنزال السريع في أكثر من موقع داخل الصحراء لملاحقة ما تبقى من عجلات التنظيم قبل أن تتمكن من إعادة التجمع… ويؤكد المشاركون في العملية أن القوة نفذت أكثر من عشرين عملية إنزال في مناطق متفرقة جرى خلالها إحراق عشرات العجلات المحملة بالأسلحة والأعتدة والأحزمة الناسفة وقتل عدد من عناصر التنظيم فيما واصلت بقية تشكيلات طيران الجيش والقوة الجوية ملاحقة مئات العجلات الأخرى التي حاولت الفرار باتجاه عمق الصحراء والحدود العراقية السورية.. وانتهت العملية بتحقيق واحد من أبرز الإنجازات الأمنية والعسكرية في تلك المرحلة بعد إفشال محاولة التنظيم إعادة تنظيم قواته وتدمير أعداد كبيرة من عجلاته ومعداته من دون أن يتمكن من تحقيق الهدف الذي خرج من أجله من الفلوجة.. ولم تكن أهمية تلك العملية في حجم الخسائر التي لحقت بالتنظيم فحسب بل في أنها جسدت فلسفة كاملة كان المحمداوي يؤمن بها منذ سنوات …المعلومة الدقيقة… وسرعة القرار… والتنسيق بين الأرض والسماء… والمبادرة إلى الهجوم قبل أن يفرض العدو زمان المعركة ومكانها… كانت تلك العملية واحدة من المحطات التي كرست مفهوم الدفاع الاستباقي الذي تبنته قيادة عمليات الفرات الأوسط والذي لم يقم على انتظار الخطر بل على مطاردته في عمق الصحراء قبل أن يصل إلى المدن… ومع انتهاء مرحلة الفرات الأوسط انتقل المحمداوي إلى مسؤوليات جديدة فتولى قيادة عمليات بغداد في مرحلة كانت العاصمة تواجه تحديات معقدة امتزج فيها الملف الأمني بالملف السياسي وتزامنت مع أحداث وتظاهرات واسعة فرضت على القيادات الأمنية التعامل مع أوضاع بالغة الحساسية… وكانت بغداد في تلك السنوات تمثل أصعب اختبار لأي قائد لأنها لم تكن تواجه الإرهاب وحده، بل كانت تعيش تداخلا بين التهديدات الأمنية وحماية مؤسسات الدولة والحفاظ على الأمن العام والتعامل مع الأزمات الداخلية بحكمة تمنع انزلاق البلاد إلى الفوضى… ويرى عدد من الضباط الذين عملوا معه أن المحمداوي كان يميل إلى التهدئة كلما كان ذلك ممكنا مع التمسك بتطبيق القانون انطلاقا من قناعته بأن قوة الدولة لا تقاس باستخدام القوة وحدها بل بقدرتها على حماية المجتمع والحفاظ على الاستقرار… وبعد سنوات من القيادة الميدانية انتقل إلى موقع نائب قائد العمليات المشتركة ليشارك في إدارة الملفات الأمنية على مستوى العراق كله ويصبح جزءا من المؤسسة التي تنسق بين مختلف الصنوف العسكرية والأجهزة الأمنية وتضع الخطط لمواجهة ما تبقى من تهديدات الإرهاب وتعزز العمل الاستخباري وتتابع حماية الحدود وتطور آليات التنسيق بين الجيش والشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب والحشد الشعبي وبقية المؤسسات الأمنية… وهناك لم يعد يقود معركة في قاطع محدد بل أصبح يشارك في صناعة القرار الأمني على مستوى الدولة مستندا إلى خبرة ميدانية تراكمت عبر سنوات طويلة بدأت في تلعفر، ومرت بغرب بغداد والفرقة السادسة والفرات الأوسط لتصل إلى أعلى مستويات القيادة العسكرية.. لكن مهما ارتفعت المناصب بقيت حقيقة واحدة تلازم تلك الرحلة… أن القائد الذي قضى عمره في الخطوط الأمامية لا يمكن أن ينظر إلى الخرائط بالطريقة نفسها التي ينظر إليها من لم يسمع صوت الرصاص.. ولهذا ظل الميدان بالنسبة إليه المدرسة الأولى وظلت التجربة التي عاشها مع جنوده في أصعب المعارك هي المرجع الذي يستند إليه في كل قرار يتخذه..
لم يكن الفريق الاول الركن الدكتور قيس خلف رحيمة المحمداوي يرى المناصب نهاية للطريق بل كان ينظر إليها باعتبارها مسؤولية أكبر واختبارا جديدا يفرض على القائد أن يكون أكثر هدوءا في اتخاذ القرار وأكثر إدراكا لحجم الأمانة التي يحملها… فعلى امتداد أكثر من أربعة عقود تنقل بين مواقع مختلفة، لكن الميدان بقي القاسم المشترك بينها جميعا. من ضابط شاب تخرج في الكلية العسكرية الأولى إلى قائد لواء في تلعفر ثم قائد للفرقة السادسة في غرب بغداد فقائد لعمليات الفرات الأوسط ثم قائد لعمليات بغداد وصولا إلى نائب قائد العمليات المشتركة كانت كل محطة تضيف إلى تجربته بعدا جديدا لكنها لم تغير من قناعته بأن القيادة الحقيقية تبدأ من تحمل المسؤولية قبل إصدار الأوامر.. وخلال تلك المسيرة لم يكن العراق يعيش ظروفا اعتيادية بل كان يواجه واحدة من أكثر المراحل تعقيدا في تاريخه الحديث. الإرهاب والانهيار الأمني ومحاولات إسقاط الدولة كلها فرضت على المؤسسة العسكرية أن تقدم رجالا يتحملون مسؤولية القرار في لحظات كان الخطأ فيها قد يكلف مدينة كاملة أو آلاف الأرواح… وعندما يستعيد من خدموا معه تلك السنوات فإنهم لا يتحدثون عن قائد كان يبحث عن الظهور بقدر ما يتحدثون عن رجل كان يقضي أغلب وقته بين الخرائط وغرف العمليات ومواقع القطعات مؤمنا بأن القائد لا يطلب من جنوده ما لا يكون مستعدا للقيام به بنفسه… وربما لهذا بقي اسمه مرتبطا في ذاكرة كثيرين بتلك المحطات التي شكلت منعطفات في الحرب على الإرهاب. تلعفر التي صمدت بوجه تنظيم القاعدة وغرب بغداد التي بقيت عصية على محاولات تنظيم داعش للوصول إلى العاصمة والفرات الأوسط الذي تحولت صحاريه إلى خطوط دفاع متقدمة وعيون الفرات التي مثلت رؤية دفاعية سبقت الأحداث ثم العمليات المشتركة التي انتقلت فيها المسؤولية من إدارة قاطع إلى الإسهام في إدارة الأمن على مستوى العراق.. غير أن الإنصاف يقتضي أيضا التأكيد أن تلك الإنجازات لم تكن ثمرة جهد فرد واحد بل كانت حصيلة عمل مؤسسة عسكرية كبيرة شارك فيها آلاف الضباط والمراتب والجنود وإلى جانبهم الشرطة والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي وأبناء المدن الذين وقفوا مع قواتهم في أصعب الظروف. فالحروب لا يصنعها قائد بمفرده وإنما تصنعها إرادة وطن وتضحيات رجال آمنوا بأن العراق يستحق أن يدافعوا عنه… وهكذا فإن الحديث عن قيس المحمداوي لا يقتصر على سرد سيرة قائد عسكري بل هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ العراق وعن جيل من الضباط الذين وجدوا أنفسهم أمام مسؤوليات استثنائية فاختاروا أن يكونوا في مقدمة الصفوف وأن يتحملوا نتائج قراراتهم في الميدان قبل أي مكان آخر… قد تختلف وجهات النظر في تقييم الأشخاص لكن التاريخ يبقى شاهدا على الوقائع وعلى المواقع التي شغلها الرجال وعلى الأدوار التي أدوها في اللحظات المفصلية. وما بين تلعفر والفرقة السادسة والفرات الأوسط وقيادة عمليات بغداد والعمليات المشتركة تمتد رحلة طويلة من الخدمة العسكرية سطرت تفاصيلها سنوات من المواجهة والتخطيط والعمل المتواصل.. ولهذا لم يكن عنوان هذه القصة اختيارا أدبيا فحسب.. فالرجل الذي يسبق الرصاصة بخطوة ليس هو الذي يبحث عن الخطر وإنما هو الذي يدرك أن واجبه يفرض عليه أن يكون في المكان الذي يسبق الخطر ليمنع وصوله إلى المدن والناس… هكذا يروي الميدان حكايته…وهكذا تبقى أسماء بعض القادة جزءا من ذاكرة المؤسسة العسكرية العراقية لأن ما يتركه الرجال خلفهم ليس عدد المناصب التي تقلدوها بل الأثر الذي يبقى بعد أن تنتهي المعارك ويعود الناس إلى بيوتهم آمنين…
عندما تنتهي الحروب تطوى خرائط العمليات وتخفت أصوات أجهزة اللاسلكي وتغادر الأرتال مواقعها يبقى سؤال واحد يطرحه التاريخ على كل جيل… من هم الرجال الذين وقفوا عندما تراجع الآخرون؟… ليست كل الإجابات تكتب في الكتب وبعضها يبقى محفوظا في ذاكرة المدن التي نجت وفي شهادات الجنود الذين عادوا وفي عيون الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن على أمل أن يعودوا سالمين.. وهذه القصة ليست محاولة لصناعة بطل ولا لكتابة سيرة تقليدية، بل هي توثيق لمسيرة قائد عسكري عاش أخطر مفاصل الدولة العراقية واتخذ قراراته في زمن كانت فيه لحظة التردد قد تعني سقوط مدينة أو ضياع أرواح أو اتساع رقعة الإرهاب… من تلعفر إلى غرب بغداد إلى صحارى الفرات الأوسط ثم إلى قيادة العمليات المشتركة تتشكل ملامح رحلة امتدت لأكثر من أربعة عقود كان عنوانها الدائم أن أمن العراق مسؤولية لا تعرف التراجع… ويبقى الحكم الأخير للتاريخ فهو وحده من يمنح كل رجل مكانه الحقيقي بعد أن تهدأ المعارك وتغادر الضوضاء وتبقى الوقائع وحدها شاهدة على ما جرى…
كتبت القصة بقلم: مشتاق كارلو