شروط وعقبات.. هل تنجح بغداد في حصر السلاح خلال 90 يوماً؟

أعلنت الحكومة العراقية أن 30 أيلول/ سبتمبر 2026 سيكون الموعد النهائي لتسليم السلاح غير المنضوي تحت مؤسسات الدولة، في خطوة تقول إنها تهدف إلى إنهاء ازدواجية القوة المسلحة وترسيخ سيادة الدولة، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” في البلاد.

وقال المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، إن جميع الجماعات المسلحة أُبلغت بالموعد المحدد، مؤكداً أن “أي سلاح يبقى خارج إطار الدولة بعد هذا التاريخ سيُعد سلاحاً غير منظم وسيخضع للمعالجة القانونية”.

ويأتي القرار في ظل تصاعد ضغوط سياسية وأمنية داخلية وخارجية، ووسط تحضيرات لزيارة مرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن في تموز/ يوليو المقبل، حيث يُتوقع أن يكون ملف الفصائل المسلحة على رأس جدول المباحثات.

السلاح والفساد

وبالتوازي مع ملف السلاح، كثفت الحكومة خطابها بشأن مكافحة الفساد، مؤكدة أن الحملات الجارية التي انطلقت منذ فجر الأحد الماضي “لا استثناء فيها”، وأنها تشمل رفع الحصانة عن مسؤولين وملاحقة شخصيات داخل وخارج البلاد، مع إنشاء آلية لاسترداد الأموال العامة.

ويقول رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إن حكومته تمضي نحو “مرحلة جديدة” تقوم على احتكار الدولة للسلاح وإنهاء منظومة الفساد، معلناً عن مؤتمر للسيادة الوطنية نهاية العام لتكريس هذا التوجه.

وكان الزيدي قد تعهد عند تسلمه مهامه رسمياً، في 14 أيار/مايو الماضي، بالمضي في “حصر السلاح بيد الدولة”، واعتبار احتكار القوة المسلحة “وظيفة حصرية للمؤسسات الرسمية”، وهو ما أعاد الملف إلى صدارة المشهد السياسي بعد سنوات من التعثر.

من جانبه، فوض الإطار التنسيقي (الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في العراق) رئيس الوزراء باتخاذ ما يلزم لحفظ المصالح العليا، مع دعم مشروع حصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط هيئة الحشد الشعبي عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية.

وتعزز هذا المسار بإعلان التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، في 27 أيار/ مايو 2026 فك ارتباط “سرايا السلام” عنه ودمجها بالدولة، مع دعوات للفصائل للانضواء تحت سلطة الحكومة بعيداً عن الانتماءات الحزبية.

انقسام الفصائل

لكن هذه الخطوة لا تبدو محل إجماع من جميع الفصائل المسلحة، إذ تتباين مواقفها إزاء مسار الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، بين أطراف أعلنت استعدادها للاندماج ضمن الأطر الرسمية، وأخرى تمسكت بخيار الاحتفاظ بسلاحها وربطت أي خطوة في هذا الاتجاه بشروط سياسية وأمنية.

ففي جانب الفصائل التي أبدت مرونة، أعلنت قوى مثل سرايا السلام وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي خطوات باتجاه تسليم إدارة بعض الألوية ضمن هيئة الحشد الشعبي للحكومة، في إطار ترتيبات وصفت بأنها تمهيدية لإعادة تنظيم العلاقة مع الدولة، وفصل البعد السياسي عن العسكري.

كما برز خطاب داخل بعض الأجنحة الداعمة لمسار الحكومة، يعتبر أن حصر السلاح لا يعني بالضرورة تفكيك الفصائل، بل إعادة ضبط قرار استخدام القوة ضمن مؤسسات الدولة الرسمية.

في المقابل، لا تزال فصائل أخرى أكثر تشدداً، على رأسها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، ترفض إدراج سلاحها ضمن هذا المسار، وتؤكد تمسكها بما تسميه “سلاح المقاومة”، معتبرة أن وجوده مرتبط بسياقات إقليمية وأمنية، أبرزها استمرار التهديدات الخارجية ووجود القوات الأجنبية.

تفسير القرار

وفي موازاة هذا الانقسام، لا يقتصر التباين على الفصائل المسلحة، بل يمتد إلى القوى السياسية في تفسيرها لمضمون القرار الحكومي وحدوده، حيث تختلف القراءات بشأن ما إذا كان يعني “تسليم السلاح” فعلياً أو إعادة تنظيم قرار استخدامه ضمن مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، يقول أحمد عدنان، عضو الهيئة العامة لحركة الصادقون، الجناح السياسي لحركة عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، إن ما يجري ليس “تسليم سلاح” بل “حصر قرار استخدامه بيد الدولة”.

ويوضح عدنان لوكالة سنا الإخبارية، أن سلاح الفصائل سيبقى ضمن منظومة هيئة الحشد الشعبي، بينما يتم التركيز على “فك الارتباط السياسي عن القرار العسكري”.

ويضيف أن تطبيق القرار يجب أن يشمل جميع الفصائل دون استثناء، باعتباره “قراراً وطنياً ودينياً وسياسياً”، مشيراً إلى أن انتهاء وجود قوات التحالف الدولي في أيلول/ سبتمبر المقبل يفتح الباب لنقاش شامل حول مستقبل السلاح.

في المقابل، يرى الخبير الأمني والسياسي، عدنان الكناني، أن المرحلة الحالية تمثل نقطة تحول، معتبراً أن انتهاء وجود “المحتل” يعني أن “المقاومة المسلحة يجب أن تنتهي”، وأن على الفصائل إما الاندماج الكامل في الدولة أو التحول إلى العمل السياسي.

ويشير الكناني خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى وجود انقسام داخل قوى الفصائل نفسها بين مؤيد ومعارض لمسار الحكومة، ما يعكس “إشكالية داخلية تتطلب معالجة من الجذور”.

نشأة الفصائل

وتعود جذور معظم الفصائل المسلحة الحالية إلى ما بعد عام 2003، حين نشأت تشكيلات مسلحة مرتبطة بالفراغ الأمني الذي أعقب الغزو الأميركي للعراق، ثم توسعت بشكل كبير بعد اجتياح تنظيم “داعش” لمدن عراقية واسعة عام 2014.

وفي تلك المرحلة، تشكلت سرايا السلام كقوة عسكرية استجابة لدعوة الصدر لحماية المقدسات، بالتوازي مع اندماج فصائل أخرى ضمن هيئة الحشد الشعبي، التي تحولت لاحقاً إلى مظلة رسمية لعدد كبير من التشكيلات المسلحة.

لكن هذا الاندماج لم يُنهِ التعدد في مراكز القوة، بل أسس لمشهد معقد يجمع بين الدولة والفصائل والمرجعيات السياسية والحزبية، وهو ما جعل ملف “حصر السلاح” أحد أكثر الملفات إشكالية في العراق.

الانسحاب الأميركي

من جانبه، يربط معين الكاظمي، القيادي في منظمة بدر بزعامة هادي العامري، بين مستقبل “المقاومة” ووجود القوات الأميركية، قائلاً إن التزام الفصائل بتسليم السلاح مرتبط بـ”انسحاب كامل وفعلي” للقوات الأميركية وإنهاء عملياتها الجوية والعسكرية في العراق.

ويوضح الكاظمي لوكالة سنا الإخبارية، أن فصائل مثل كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء تشترط ضمانات واضحة لعدم عودة التدخل العسكري الأميركي، مضيفاً أن “الحكومة قادرة على إدارة الملف الأمني لكنها تحتاج إلى قرار سياسي حاسم”.

ويلفت إلى أن أي اتفاق نهائي بشأن السلاح يتطلب “توازناً في الالتزامات” بين بغداد وواشنطن، مع ضمان سيادة العراق الكاملة على أراضيه وأجوائه.

وفي سياق متصل، يرى الباحث الأمني، مصطفى عجيل، خلال حديثه لوكالة سنا الإخبارية، أن تحديد 30 أيلول/ سبتمبر المقبل كموعد نهائي لحصر السلاح يتزامن مع خطة انسحاب القوات الأميركية، ما يجعل المرحلة “مفصلية” لإنهاء مبررات السلاح خارج الدولة.

لكن خبراء يحذرون من أن نجاح الخطة يعتمد على آليات التنفيذ، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة هيكلة هيئة الحشد الشعبي، وتحديد الجهة التي ستتسلم السلاح، في ظل غياب ترتيبات تفصيلية معلنة حتى الآن.

دعم واتفاق دولي

ويحظى التوجه الحكومي بدعم دولي وإقليمي، إذ أعلن اجتماع وزاري مشترك بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي دعمه لجهود بغداد في حصر السلاح، بالتزامن مع إدانة هجمات تُنسب إلى جماعات موالية لإيران داخل العراق وخارجه.

كما تربط واشنطن استمرار مساعداتها للعراق بـ”إجراءات ملموسة” لإبعاد الفصائل المسلحة عن مؤسسات الدولة، في وقت تلوّح فيه بضغط اقتصادي وسياسي في حال عدم التنفيذ.

ويرتكز ملف الانسحاب الأميركي من العراق على اتفاق ثنائي بين بغداد وواشنطن أُبرم عام 2024، نص على إنهاء مهمة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” داخل البلاد على مرحلتين.

وبموجب هذا التفاهم، اكتملت المرحلة الأولى مطلع عام 2026، وشملت إنهاء المهام القتالية وسحب جزء من القوات وإعادة تموضعها ضمن إطار شراكات أمنية ثنائية مع الحكومة العراقية.

أما المرحلة الثانية فتمتد حتى أيلول/ سبتمبر 2026، وتشمل استكمال انسحاب القوات المتبقية وإنهاء استخدام القواعد داخل العراق لدعم العمليات في سوريا، على أن تتحول العلاقة بين الجانبين إلى تنسيق أمني واستشاري محدود.

ويُنظر إلى هذا الاتفاق بوصفه الإطار الحاكم لعملية إنهاء الوجود العسكري الأميركي، بما يحدد سقفاً زمنياً واضحاً لإعادة تنظيم العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *