هيئة التحرير/ وكالة سنا الإخبارية
بقلم/ وسن زيدان
اعتدنا في زوايا الحياة الهادئة، وبين تفاصيل العلاقات الإنسانية اليومية، يوجد أناس يمنحون دون حساب، ويقدمون دون انتظار مقابل. يهبون وقتهم وجهدهم ومشاعرهم للآخرين بدافع المحبة والوفاء، مؤمنين بأن العطاء لغة نبيلة تسمو على المصالح والمكاسب. غير أن هذه السجية الجميلة قد تواجه أحياناً مفارقة مؤلمة .. فكلما ازداد العطاء واستمر، اعتاده الآخرون حتى فقد في أعينهم قيمته الاستثنائية، وتحول من مبادرة كريمة إلى واجب مفترض.
كثير من الأشخاص يعيشون هذه التجربة بصمت. يبدأ الأمر بتقدير وامتنان، ثم يتسلل الاعتياد شيئاً فشيئاً إلى النفوس، فتتراجع كلمات الشكر، ويغيب الاعتراف بالجميل، ويصبح حضور المعطاء وخدماته أمراً بديهياً لا يلفت الانتباه إلا عند غيابه. عندها يكتشف الإنسان أن ما كان يقدمه حباً أصبح يُطلب منه وكأنه التزام لا خيار فيه.
هذه الظاهرة ليست مرتبطة بسوء النية دائماً ، وانما بطبيعة بشرية تجعل الإنسان يألف النعمة حتى يتوقف عن ملاحظتها. فاليد التي تمتد دائماً للمساعدة قد لا تُرى، والصوت الذي يساند في كل الظروف قد لا يُسمع، لأن الاعتياد يضعف الإحساس بقيمة الأشياء مهما كانت عظيمة.
ومن هنا تنشأ مشاعر الخيبة والإرهاق لدى بعض المعطائين. فهم لا ينتظرون الثناء بقدر ما يتطلعون إلى التقدير الإنساني البسيط الذي يؤكد أن ما يقدمونه محل احترام وامتنان. فالعطاء الحقيقي لا يفقد جماله حين يُقدَّر، بل يزداد إشراقاً ، كما أن الامتنان لا يقلل من كرامة الآخذ، وانما يعكس نبل أخلاقه ووعيه.
إن العلاقات الصحية تقوم على التوازن، حيث يُحفظ الجميل ويُعترف بالفضل، وحيث يدرك الجميع أن ما يُقدَّم بمحبة ليس حقاً مكتسباً ولا ديناً مستحقاً ، بل إنها هدية إنسانية تستحق التقدير. فالمشكلة لا تكمن في كثرة العطاء، بل في غياب الوعي بقيمته.
وفي النهاية، يبقى العطاء من أجمل الصفات الإنسانية، لكنه يحتاج إلى قلوب تعرف معنى الامتنان. فالكلمة الطيبة، والاعتراف بالفضل، وحفظ الجميل، ليست مجرد مجاملات اجتماعية، حيث إنها قيم أخلاقية تحفظ دفء العلاقات واستمرارها. وحين ندرك قيمة من يمنحوننا من وقتهم ومشاعرهم وجهدهم، فإننا لا نعترف بفضلهم فحسب، في الوقت ذاته نرتقي بإنسانيتنا ونرسخ قيم الوفاء والامتنان في حياتنا.