هيئة التحرير/ وكالة سنا الإخبارية
بقلم : حسين الأسدي
ثمة رجال يهاجرون من مدنهم لكن مدنهم لا تهاجر منهم أبداً يبقون يحملونها في أصواتهم وذاكرتهم وحقائب سفرهم وحين يكتبون تتحول الكلمات إلى شوارع وأزقة وأنهار ووجوه لا تغيب ومن بين هؤلاء يبرز اسم الشاعر الميساني حازم جابر ذلك الذي عرفه الوسط الفني والأدبي بلقب ( طائر الجنوب)
في مدينة العمارة حيث يلتقي الماء بالقصب وحيث تنام الحكايات على ضفاف دجلة وُلدت موهبة حازم جابر هناك بين أصوات المراكب ورائحة الطين بعد المطر تشكلت ملامح شاعر سيحمل الجنوب معه إلى كل مكان فالعمارة لم تكن بالنسبة له مدينة فحسب بل كانت قصيدة مفتوحة على السماء ومخزوناً لا ينضب من الصور والمشاعر والحنين
ومن يعرف العمارة يدرك أنها ليست مدينة عادية إنها منجم للمبدعين وواحة أنجبت الشعراء والفنانين والمثقفين الذين تركوا بصماتهم في تاريخ العراق الحديث ومن هذه البيئة الغنية خرج حازم جابر ليشق طريقه بثقة نحو عالم الشعر والأغنية
لكن الرياح التي عصفت بالعراق في تسعينيات القرن الماضي دفعت الكثير من أبنائه إلى المنافي البعيدة وكان حازم جابر واحداً منهم حمل حقيبته وقصائده وسافر إلى المملكة الأردنية الهاشمية تاركاً خلفه مدينته التي ظلت تسكنه كل يوم وفي الغربة كانت العمارة تزوره كل ليلة في أغنية يسمعها أو نخلة يتذكرها أو وجه صديق تركه على ضفاف الوطن
فهو الذي كتب :
لمّن ينزل الليل تغمّض عين الدرابين
ويطيح الدمع مني ورق بربين
يا حوبة عباة امي الكلاها الطين
خايف والشوارع خايفة وياي
اعبر والشوارع تعبر وياي
انا بعين الگصب والبردي تلگه إبچاي
عاصرته سنوات طويلة التي قضاها في الأردن لانه اخ وصديق وابن مدينتي الحبيبة العمارة لكنه لم يتوقف عن الكتابة والإبداع بل ربما زادت الغربة من وهج الحنين في نصوصه فصارت كلماته أكثر دفئاً وأكثر قرباً من القلب وهناك بدأت قصائده تشق طريقها نحو أصوات كبار المطربين لتتحول إلى أغانٍ حفظها الجمهور ورددها في العراق وخارجه
كتب حازم جابر لأبرز نجوم الأغنية العراقية والعربية فغنى من كلماته محمد عبد الجبار وحاتم العراقي وهيثم يوسف ومهند محسن وياس خضر وكريم منصور ورحمة رياض وقيس هشام ونصر البحار وصابر الرباعي وأيمن زبيب وماجد المهندس وغيرهم الكثير من الأصوات التي وجدت في نصوصه صدقاً وإحساساً وقدرة على ملامسة وجدان الناس
ولأن الشاعر الحقيقي لا ينسى جذوره ظل العراق حاضراً في نصوصه حتى وهو بعيد عنه كانت القصيدة عنده نافذة يطل منها على الوطن وكانت الأغنية رسالة محبة يبعثها إلى المدن التي اشتاق إليها
فيقول حازم :
أمس حنيت أمشط شعر العمارة
واظفرّنه گصيبة الها
وارد الهور بدموعي
والعب بالجرف والها
ولهذا لم يكن غريباً أن يبقى اسمه مرتبطاً بالجنوب وأن يلقبه محبوه ب( طائر الجنوب ) لأنه ظل يحلق بعيداً لكنه يعرف دائماً طريق العودة إلى عشه الأول
وحين عاد إلى العراق ليستقر في بغداد لم يعد غريباً عن المكان عاد محملاً بالتجارب والنجاحات والذكريات لكنه ظل ذلك الفتى القادم من العمارة الذي ما زال يسمع في أعماقه هدير الماء في الأهوار وأغاني الصيادين وهم يشقون طرقهم بين القصب
إن قصة حازم جابر ليست قصة شاعر فحسب بل هي حكاية جيل كامل حمل العراق في قلبه أينما ذهب حكاية رجل أثبت أن المسافات قد تبعد الأجساد لكنها لا تستطيع أن تنتزع من الروح عشقها الأول للوطن
فقال :
أدگ الباب بدموعي واصرخ ياوطن رديت
ويبقى حازم جابر واحداً من الأصوات الشعرية التي كتبت للعراق بمحبة وللجنوب بوفاء وللإنسان بلغة تصل إلى القلب قبل الأذن ليظل اسمه حاضراً في ذاكرة الأغنية العراقية كشاعرٍ حمل العمارة معه أينما حلّ وعاد إليها في كل قصيدة كتبها
أحلفك بالمحبة وعشرتي وياك
تحن لأيامنا وترجع علينا
حبيبي وداعتك من يوم فرگاك
من گد البجي وبعدك علينا
خطية الروح بس تريد ملگاك
تتاني اليمتى حتى أنت تجينا
منو الگلك گدرنا بيوم ننساك
ياهو الگدر ينسى بيوم دينه؟