المدينة المشوّهة كيف تغيُر شكل المدن بعد 2003

مصطفى طارق الدليمي

تنمو المدن في العادة ككائنات حية تتنفس من خلال شوارعها وتتمدد عبر مساحاتها الخضراء لكن الحكاية في العراق اتخذت مساراً مغايراً منذ عام 2003 حيث استيقظت الجغرافيا على مشهد غير مألوف حيث أعاد تشكيل الملامح تحت وطأة الخوف وعشوائية القرار
بدأت الحكاية من تلك الكتل الخرسانية الرمادية التي ارتفعت فجأة كفواصل قسرية بين الجار وجاره ليتغيّر مفهوم “الزقاق” العراقي الحميم الذي كان يمثل وحدة اجتماعية متماسكة ويتحول إلى ممرات ضيقة مخنوقة بالجدران العالية التي لا تعكس سوى الرغبة في الانعزال والاختباء خلف التحصينات هذا المشهد الخرساني لم يكتفِ بتمزيق النسيج البصري وإنما تسلل إلى الوعي الجمعي فأصبح العراقي يرى في الجدار أماناً وفي الفضاء المفتوح تهديداً وهو تحول سيكولوجي خطير انعكس بوضوح على طريقة تشييد المنازل الجديدة التي باتت تشبه القلاع الصغيرة المصممة الخالية من الشرفات المفتوحة أو “الشناشيل” التي كانت تمنح الشارع روحه وحياته
تفاقمت الأزمة مع غياب سلطة التخطيط العمراني التي كانت تضبط إيقاع التوسع مما فتح الباب على مصراعيه لظاهرة تفتيت الملكية العقارية بشكل مرعب
البيوت البغدادية والبصرية العريقة التي كانت تمتد على مساحات رحبة وتضم حدائق داخلية خضعت لعمليات تقطيع قسرية لتحويلها إلى وحدات سكنية متناهية الصغر لا تتجاوز مساحة الواحدة منها خمسين متراً في محاولة بائسة لمواجهة أزمة السكن الخانقة
هذا الاكتظاظ حوّل الأحياء الراقية إلى مناطق أشبه بالمخيمات الدائمة حيث تداخلت أسلاك المولدات الكهربائية مع أنابيب المياه فوق واجهات مشوهة وضاعت هوية الطابوق العراقي “الفرشي” و”المنقوش” وسط زحام من المواد الدخيلة مثل “الأليكبوند” والزجاج العاكس الرخيص الذي لا يتناسب مطلقاً مع مناخ العراق اللاهب انما يحول المباني إلى أفران حرارية تزيد من وطأة الصيف وتستنزف الطاقة بشكل يفوق قدرة الشبكات الوطنية
تعرضت الأحزمة الخضراء التي كانت تطوق المدن وتحميها من العواصف الترابية إلى إبادة جماعية منظمة تحولت بساتين النخيل الكثيفة في الدورة والرشيد وأطراف الكوفة والبصرة إلى كتل من الطابوق والأسمنت بفعل تجريف الأراضي وبيعها كقطع سكنية غير قانونية فيما يُعرف محلياً بـ “الحواسم” أو العشوائيات
هذا الزحف لم يدمر البيئة فحسب انما خلق ضغطاً هائلاً على بنية تحتية متهالكة أصلاً فصارت المجاري تفيض عند أول قطرة مطر، وتلاشت الأرصفة تحت وطأة المحال التجارية المتجاوزة ليفقد المشاة حقهم في الطريق وتتحول المدينة إلى ساحة للصراع على المتر الواحد الخسارة الكبرى تكمن في فقدان “الذاكرة البصرية” فالمواطن الذي نشأ وهو يرى القباب الفيروزية والأقواس العباسية بات اليوم محاصراً بمشاهد الفوضى اللونية والمعمارية التي تفتقر إلى أي ذوق فني أو مرجعية تاريخية رصينة
لقد فقدت الساحات العامة وظيفتها كملتقيات ثقافية واجتماعية وتحولت إلى عقد مرورية ميتة تحيط بها أسلاك شائكة وحواجز تفتيش مما عطل الرئة التي تتنفس منها المدينة حتى المعالم التراثية التي صمدت لقرون أمام الغزوات بدأت تتآكل اليوم بفعل الإهمال المتعمد أو الاستثمار الجاهل الذي يرى في الأرض قيمة نقدية لا قيمة حضارية
إن المشهد الحالي للمدن العراقية يجسد حالة من الاغتراب، حيث يعيش الإنسان في مكان لا يشبهه ويتحرك في شوارع سلبت منه هدوءه النفسي واستبدلته بضجيج بصري وسمعي لا يتوقف
إعادة وجه العراق الجميل تتطلب ثورة في الوعي قبل أن تكون نهضة في البناء فترميم الروح التي يسكنها المكان يسبق ترميم الحجر والمدينة التي تفقد جمالها تفقد بالضرورة قدرتها على منح الطمأنينة لسكانها مما يجعل من استعادة الهوية المعمارية معركة وجودية للحفاظ على ما تبقى من ملامح بلاد كانت يوماً ما مناراً للتصميم والجمال في الشرق الأوسط بأكمله
إننا أمام مدينة تحاول لملمة أجزائها المبعثرة بين الركام والخرسانة في صراع مرير ضد التشوه العمراني الذي فرضته الظروف السياسية والأمنية والذي بات يهدد بطمس آخر ما تبقى من عبق بغداد القديمة وأخواتها من المدن التي علمت العالم يوماً كيف تُبنى الحضارات وتُصان الكرامة المعمارية للإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *