الزيدي في مواجهة إرث التوازنات

د. حسن جمعة

لم يكن المشهد العراقي بحاجة إلى مزيد من التشخيص فالأرقام والتقارير الدولية والمحلية تكاد تصرخ بالأزمات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني.. لكن ما كان ينقص المشهد دائما هو المبضع الجريء واليد التي لا ترتجف عند اتخاذ القرار.. واليوم يبرز اسم الزيدي كعنوان المرحلة جديدة، عنوانها الأبرز الإرادة الحازمة

في مواجهة الترهل والفساد وهدر المال العام . إن الحديث عن إجراء إصلاحات اقتصادية في بلد مثل العراق ليس نزهة فكرية، بل هو أشبه بالسير في حقل ألغام من المصالح المتشابكة ومراكز القوى التي اقتانت لسنوات على غياب الرقابة المؤسساتية.. هنا تكمن ميزة الحزم” الذي يبديه الزيدي ؛ فهو لا يطرحشعارات فضفاضة للاستهلاك الإعلامي، بل يتحرك وفق استراتيجية تدرك أن تأجيل الإصلاح لم يعد خيارا مطروحا، وأن المسكنات لم تعد تجدي نفعا مع جسد اقتصادي منهك.

تتجلى ملامح هذا الحزم في عزم الزيدي على تفكيك البيروقراطية المعطلة للاستثمار، وتحجيم منافذ الفساد في قطاعات حيوية كالجمارك والضرائب، فضلاً عن السعي الجاد لإعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة وتحويلها من عبء مالي على الموازنة إلى روافد تنموية… وهذا التوجه يعكس وعيا عميقا بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من ضبط الإيرادات العامة وتنويع مصادر الدخل وعدم البقاء رهينة لتقلبات أسواق النفط العالمية. إن التحدي الأكبر الذي يواجه رئيس الوزراء علي الزيدي ليس في تشريع القوانين أو وضع الخطط، بل في القدرة على الصمود أمام الضغوط السياسية والاجتماعية التي تقاوم التغيير.

بالتأكيد، ستكون هناك أثمان اجتماعية وسياسية لأي خطوة إصلاحية جادة، فالقرارات الشجاعة غالبا ما تكون مؤلمة في المدى القصير لكن القيادة الحقيقية تقاس بالقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيحوتغليب المصلحة الوطنية العليا على المكاسب الآنية الضيقة. إن الشارع العراقي الذي عانى طويلا من الوعود المؤجلة، ينظر بترقب مشوب بالأمل إلى خطوات الزيدي والرسالة الواضحة التي يجب أن تصل إلى الجميع هي أن عجلة الإصلاح قد دارت، وأن الحزم ليس خيارا سياسيا، بل هو طوق النجاة الوحيد لبناء اقتصاد مستدام يؤمن مستقبل الأجيال القادمة. فهل تنجح هذه الإرادة الصلبة في تفكيك العقد المزمنة وإعادة صياغة الهوية الاقتصادية للعراق الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة، لكن المؤشرات الحالية تؤكد أن قطار الإصلاح قد غادر المحطة بلا عودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *