مجلس الحكماء

مجلس الحكماءسمير السعد تنهض المجتمعات بقيمها الإنسانية ومبادئها الأخلاقية وقدرتها على إدارة الاختلاف بروح المسؤولية والاحترام المتبادل فالتعايش السلمي يمثل الأساس المتين لاستقرار الأوطان وصيانة كرامة الإنسان وحماية التنوع الاجتماعي والثقافي والديني الذي يشكل مصدر قوة للمجتمعات الحية. ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى مبادرات وطنية واجتماعية تؤسس لثقافة الحوار وتدعم سيادة القانون وتعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وتضع مصلحة الوطن فوق الاعتبارات الضيقة والانتماءات الفرعية.وفي محافظة ميسان تتبلور خطوة اجتماعية وقانونية تستحق الاهتمام والمتابعة من خلال مشروع تشكيل مجلس الحكماء الذي جاء تتويجا لسلسلة من الورش التدريبية التي أقيمت خلال الشهرين الماضيين بمشاركة نخبة من أساتذة القانون والمتخصصين في حقوق الإنسان وآليات تطبيقها وفق المعايير المهنية والإنسانية. وقد تناولت تلك الورش محاضرات وحوارات وتطبيقات عملية استهدفت الأجهزة الأمنية بمختلف صنوفها ومكاتب حقوق الإنسان والشرطة المجتمعية بمشاركة عدد من الضباط والمنتسبين والموظفين المعنيين.وجاء تشكيل المجلس ليمنح هذه الجهود بعدا مجتمعيا أوسع من خلال ضم شخصيات تمثل أطياف المجتمع الميساني بمختلف مكوناته وفي مقدمتهم رجال الدين والشيوخ والوجهاء وممثلو الأجهزة الأمنية والصحافة والإعلام وأصحاب الاختصاص القانوني والشخصيات الاجتماعية. وهي تركيبة تعكس أهمية الشراكة الوطنية في معالجة التحديات وترسيخ ثقافة احترام الآخر وحماية السلم الأهلي.وشهدت الجلسة التي احتضنتها منظمة الخير الإنسانية إقرار وثيقة العهد والشرف المتضمنة مجموعة من المبادئ الأخلاقية والمهنية التي تمثل خارطة طريق لعمل المجلس وتحدد مسؤولياته وتوجهاته في تعزيز احترام حقوق الإنسان وتطوير العلاقة بين المجتمع والمؤسسات الرسمية. ومن المرتقب طرح الوثيقة خلال مؤتمر برعاية الحكومة المحلية تمهيدا للمصادقة عليها وتوسيع دائرة تبنيها لتصل إلى مجلس النواب ورئاسة الوزراء والوزارات المعنية والمؤسسات القضائية ومكاتب رجال الدين ومختلف الطوائف الدينية.إن نجاح هذا المشروع يتطلب دعما حكوميا جادا يتجاوز التأييد المعنوي إلى توفير المستلزمات الإدارية واللوجستية والمالية الضرورية وضمان استمرارية عمل المجلس وتفعيل برامجه ومتابعة توصياته وفق آليات واضحة قابلة للتطبيق والتقييم. كما تبرز أهمية تعميم التجربة على مستوى العراق لتكون مبادرة وطنية قابلة للتطوير والاستفادة منها في المحافظات كافة.وتحتل الصحافة الوطنية والإعلام المسؤول موقعا أساسيا في إنجاح هذه المبادرة عبر تسليط الضوء على أهدافها ومتابعة نشاطاتها وتعزيز الوعي المجتمعي بمبادئها لتكون شريكا وطنيا فاعلا في حماية السلم الأهلي ونشر ثقافة التسامح والمواطنة.إن ميسان بتاريخها الحضاري وامتدادها الإنساني تستحق أن تكون نموذجا للتآخي والتنوع والتعايش. فالمواطنة هوية جامعة وحقوق متساوية ومسؤوليات مشتركة لكل العراقيين دون تمييز. ومن هنا فإن مجلس الحكماء يمثل فرصة لبناء جسور الثقة ونبذ العنف بكل أشكاله والتصدي للتطرف الفكري والسلوكي والتعصب واعتماد الحوار الهادئ والهادف سبيلا لمعالجة الخلافات. فالأوطان لا يحميها إلا أبناؤها حين يختلفون باحترام القانون والإنسانية ويتحدون على الحق ويؤمنون بأن قبول الآخر فضيلة وأن السلام مسؤولية الجميع. ولتكن هذه المبادرة رسالة وطنية تمتد من ميسان إلى العراق كله عنوانها الإنسان أولا والوطن للجميع والحوار أساس المستقبل..

اترك تعليقاً