عندما يجلس علي الوردي مع علي شريعتي تكتمل الحكاية..!!

عندما يجلس علي الوردي مع علي شريعتي تكتمل الحكاية..!!غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.«قراءة تحليلية في الأزدواجية والأستحمار»▪️مقدمة:عندما يجلس الدكتور علي الوردي والدكتور علي شريعتي جنباً إلى جنب، فهما لا يجلسان كمفكرين متناقضين، بل عقلين يكمل أحدهما الآخر في فهم الإنسان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة.فالوردي ينظر إلى الإنسان من الداخل، من بنيته النفسية والإجتماعية، ويحاول أن يفهم لماذا أصبح كما هو عليه الأن.وشريعتي ينظر إلى الإنسان من الخارج، من تاريخه ووعيه وثقافته، ويحاول أن يفهم لماذا يجب أن يتغير.الوردي هو عالم الإجتماع العراقي،الذي يشرّح، وشريعتي هو المفكر الثوري الأيراني الذي يحرّض.الأول يصف حالة الأنسان، والثاني يرسم لها خارطة الطريق. وإذا قرأناهما منفصلين، فهمنا نصف الحكاية. وإذا قرأناهما معاً، تكتمل الحكاية.أولاً: الوردي: الأزدواجية بين عصرين.يرى الدكتور علي الوردي أن المجتمعات العربية، والعراقية على وجه الخصوص، تعيش حالة أنتقالية غير مكتملة. فهي لم تخرج كلياً من عصر البداوة، ولم تدخل كلياً في عصر الحضارة.ويعتبر هذا التعايش غير المحسوم هو عبارة عن شخصية مزدوجة تحمل قيمتين متناقضتين في آن واحد.فالعراقي، بحسب رؤية الوردي، حضري في شكله، بدوي في قلبه. يتكلم عن القانون في المجلس، ويحتكم إلى العشيرة في أفعاله. يتكلم عن الدولة في النهار، ويثق بشيخ العشيرة أكثر من ثقته بالدولة في الليل. يؤمن بالحرية الفردية، ويؤمن في الوقت نفسه بالأنتماء الجماعي المطلق.وهذه الازدواجية لا تقتصر على الصراع بين البداوة والحضارة، بل تمتد إلى الدين والدنيا والأخرة، فالإنسان المزدوج يصلي في المسجد ويغش في السوق، يبكي على الحسين عليه السلام ويضحك على أمور الدنيا حال خروجه من المجلس، ولا يشعر بتناقض أطلاقاً ، لأن الصلاة عنده تحولت إلى صك غفران، تمحو ما تقدم منها وما تأخر.ويرى الوردي أن هذه الازدواجية ليست نفاقاً أخلاقياً، كما يتصور البعض، بل هي نتاج موضوعي لبنية إجتماعية أنتقالية. فالإنسان لا يختار أن يكون مزدوجاً، بل يُفرض عليه أن يكون كذلك، لأنه يعيش في مجتمع يفرض عليه قيمتين متناقضتين، ويطلب منه أن يؤمن بهما معاً.ومن هنا، فإن الوردي لا يلوم الإنسان، بل يحاول فهمه. فهو يقول، قبل أن تحكم على العراقي، أفهم لماذا أصبح مزدوجاً. وقبل أن تلعن المتدين، افهم لماذا صار الدين عنده غطاءً للدنيا.ثانياً: شريعتي وظنون الحرية والعبودية.إذا كان الدكتور الوردي يتحدث عن الأزدواجية، فإن الدكتور شريعتي يتحدث عن الأستحمار. وهو مفهوم يختلف عن الجهل وقلة الوعي. فالجاهل هو الذي لا يعرف شيئاً، بينما المستحمر فهو الذي يعرف الأشياء، لكنه يعرف ما يراد له أن يعرفه فقط.ويُعرّف شريعتي الأستحمار بأنه عملية تغييب ممنهجة للوعي، تجعل الإنسان يقبل العبودية ويظنها حرية، ويقبل الظلم ويظنه قدراً، ويقبل التخلف ويظنه أصالة.ويميز شريعتي بين نوعين من الأستحمار.الأستحمار القديم، الذي كان يعتمد على القمع والتلقين المباشر، ويقول للإنسان لا تفكر نحن من يفكر عنك.والأستحمار الحديث، الذي يعتمد على الإلهاء والتسلية والاستهلاك، ويقول للإنسان: فكر لكن، فكر في ما نعطيك فقط.فالأول يجعل الإنسان عبداً حزيناً، والثاني يجعل الإنسان عبداً سعيداً. ولذلك فإن الثاني أخطر، لأن العبد الحزين يعرف أنه عبد فيثور، أما العبد السعيد فيظن أنه حر فلا يثور.ويرى شريعتي أن الأستحمار لا يأتي من الخارج فقط، بل يأتي من الداخل أيضاً.فالإنسان يستحمر نفسه عندما يهرب من التفكير إلى التسلية، ومن القضايا الجوهرية إلى القضايا الثانوية، ومن الحرية إلى الراحة…الخ.ثالثاً: عندما يجلسان معاً.عندما يجلس الوردي مع شريعتي، تكتمل الحكاية، لأن كليهما يرى أن الإنسان المعاصر يعيش حالة أغتراب عن ذاته.فعند الوردي، يتجلى الأغتراب في أزدواجية الإنسان الذي لا يعرف من هو، لأنه إثنان في واحد.وعند شريعتي، يتجلى الأغتراب في أستحمار الإنسان الذي لا يعرف من هو، لأنه يعيش بوعي غيره.وكلاهما يرى أن الحل يبدأ بالوعي فقط. فالوردي يرى أن الوعي بالأزدواجية هو أول خطوة لتجاوزها. وشريعتي يرى أن الوعي بالأستحمار هو أول خطوة للتمرد عليه. والوعي عند كليهما ليس معرفة نظرية، بل هو فعل تحرري مطلق.وكلاهما أيضاً ينتقد التدين الشكلي. فالوردي ينتقد التدين المزدوج الذي يفصل بين العبادة والسلوك، وشريعتي ينتقد التدين المستحمر الذي يحول الدين إلى أفيون يخدر الإنسان عن قضاياه المصيرية.والدين عند كليهما يجب أن يكون وعي لا طقس فقط. رابعاً: الازدواجية أرضية الأستحمار.ووفق ما تقدم أعلاه يمكننا القول بإن الأزدواجية والأستحمار ليسا ظاهرتين منفصلتين، بل هما مرحلتان في عملية واحدة.وكلاهما تمثل الأرضية البنيوية التي تسمح بأنتشار الأخرى. فالإنسان المزدوج، الذي لا يمتلك معياراً واحداً للحكم على الأشياء، يكون أكثر قابلية للأستحمار من غيره، لأنه يتردد بين قيمتين، فيسهل توجيهه نحو إحداهما بسهولة.وفي المقابل، فإن الأستحمار يعيد إنتاج أزدواجية الإنسان الذي يتم إلهاؤه عن قضاياه الجوهرية، فيبقى عالقاً في ازدواجيته، ولا يستطيع حسم الصراع بين قيمه المتناقضة، لأنه لا يمتلك الوعي الكافي لذلك.وعليه، فإن أي قراءة تأخذ الوردي دون شريعتي، ستكون قراءة ناقصة. لأنها ستفهم المرض دون أن تفهم كيفية استغلاله.وأي قراءة تأخذ شريعتي دون الوردي، ستكون قراءة ناقصة أيضاً. لأنها ستدعو إلى الثورة دون أن تفهم البنية التي يجب أن تثور عليها.▪️خاتمة الحكاية:الوردي يحث الأنسان على فهم النفس وشريعتي يعلم الأنسان أن يتمرد علىها.الأول يقول: اعرف لماذا أنت مزدوج. والثاني يقول: أعرف أنك تستطيع أن تكون واحداً.وعلىى كل من يقرأ الوردي عليه يقرأه بعقلة، وشريعتي بقلبه حتى يفهم أزماته، فالوردي بدون شريعتي يتحول إلى يأس شديد، وشريعتي بدون الوردي يتحول إلى حماس أعمى.أما كليهما معاً فيتحول إلى وعي وثورة، إلى فهم وفعل، إلى عقل وقلب فتكتمل الحكاية.وبكيف الله.

اترك تعليقاً