هيئة التحرير/وكالة سنا الإخبارية
مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن
تحلّ ذكرى ثورة تشرين لتعيد إلى الأذهان صورة العراق وهو يستيقظ من سنواته الطويلة على صوت جيل جديد خرج من رحم المعاناة والظروف الصعبة ليطلق صرخته المدوية “نريد وطنا” تلك الصرخة التي ماعادت مجرد شعار احتجاجي عابر انما كانت لحظة فاصلة ومحطة تحول جوهرية في التاريخ العراقي استعاد فيها الشباب الثقة بأنفسهم وبقدرتهم على صناعة الفارق فواجهوا التحديات والمخاطر بصدور عارية وأحلام كبيرة تتسع لآمال بلاد بأكملها فلم تكن الساحات في خريف عام 2019 مجرد أماكن جغرافية للتظاهر والاعتصام انما تحولت من بغداد إلى البصرة ومن الناصرية إلى النجف إلى مساحات حية لبناء الوعي الوطني وتعميق أواصر الهوية الجامعة حيث ترددت الهتافات التي وحدت العراقيين تحت راية واحدة وبصوت واحد تجاوز كل أشكال الانقسامات التقليدية التي أنهكت مجتمعهم لسنوات طويلة لتجمع الخيام في تلك الميادين فكرة جديدة للعراق تقوم على أساس المواطنة والعدالة بدلاً من المحاصصة والتركيز على قيمة الإنسان وحقوقه الطبيعية بعيداً عن أي نتماءات ضيقة لقد كانت تشرين حركة شعبية مختلفة في شكلها ومضمونها إذ تحركت بعفوية تامة دون قيادات تقليدية أو أحزاب أو أغطية سياسية جاهزة ورغم هذا الغياب للقيادة النمطية فإنها استطاعت أن تفرض خطاباً سياسياً واجتماعياً جديداً غيِّر ملامح المشهد العام وخاض فيها الشباب معركة واضحة ضد الفساد الإداري والبطالة وضياع مؤسسات الدولة ودفعوا في سبيل ذلك أثماناً باهظة من سلامة أجسادهم وسالت دماؤهم الزكية في شوارع المدن والجسور لتظل صرختهم شاهدة على حقبة حاولوا فيها استعادة هوية وطنهم ولذلك ماعادت تشرين رغم كل الآلم والوجع مجرد فاجعة تضاف إلى التاريخ انما كانت مخاضاً حقيقياً لولادة وعي جمعي جديد وكشفت بعمق عن التوجه العام للناس الذين يتطلعون لبناء دولة قانون حقيقية تضمن كرامتهم الإنسانية في مواجهة عقلية الاستحواذ وتقاسم النفوذ وفي تلك المعادلة الصعبة انتصر الوعي على الخوف وظلت المبادئ راسخة في عقول الجيل الذي عاصر هذه التجربة
ومن الخطأ الاعتقاد بأن أثر تشرين قد انتهى أو تبدد مع خلو الساحات من التجمعات فالأفكار الكبرى في مسيرة المجتمعات لا تموت حين تنتهي المظاهر الميدانية انما تستقر في العقول والقلوب وتشرين اليوم تعيش في وجدان جيل بأكمله تعلم بالوعي والممارسة أن التمسك بالحقوق والواجبات هو الأساس لبناء غد أفضل وهي حاضرة في كل نقاش يدور حول الإصلاح الإداري وفي كل مسعى حقيقي لاستعادة قوة الدولة ومؤسساتها من قبضة الفساد والمحاصصة حيث تركت هذه الحركة صمة عميقة في طريقة تفكير الإنسان العراقي وأعادت صياغة شروط العلاقة بين المواطن والدولة فلم يعد العراقي يرى نفسه مجرد متفرج على إدارة شؤون بلاده بل شريكاً أساسياً يرفض أن تُدار حياته ومستقبله بعيداَ عن الشفافية والوضوح بعد أن انكسر حاجز الخوف النفسي وفتح الباب أمام الأجيال الحالية والقادمة للتعبير عن تطلعاتها بكل شجاعة
إن الإرث الحقيقي والاكبر لتشرين لا يتلخص فقط في أيام الاعتصام الطويلة انما في ذلك التحول الفكري البنيوي الذي أحدثته داخل المجتمع حيث أصبح الوعي الشعبي أكثر نضجاَ وقدرة على المتابعة والنقد البناء ومساءلة الخطاب العام فلم تعد الشعارات الموجهة تمر دون تمحيص ولم يعد الإعلام الحزبي قادراً على توجيه قناعات الناس ببساطة كما كان يحدث في السابق لكن هذا الوعي الجديد يحتاج اليوم إلى رعاية حقيقية وجهود مخلصة لتحويله من مجرد رد فعل أو حالة غضب عفوية إلى مسار بناء منظم يشارك فيه الجميع وهنا تبرز المسؤولية المشتركة للشباب الواعي والنخب الفكرية والإعلام والمؤسسات الأكاديمية في تحويل طاقة تشرين الإيجابية من لحظة احتجاجية إلى مشروع بناء تاريخي مستمر يخدم استقرار البلاد وتنميتها ومع مرور السنوات ستبقى تشرين رمزاً لجيل تطلع نحو الكرامة والعدالة الاجتماعية ولن تذهب التضحيات التي قُدمت في ساحات التحرير والحبوبي والبصرة سدى انما ستبقى ضوءاً يذكر كل من يؤمن بأن مستقبل الأوطان يبنى بالعمل المخلص والوعي الحقيقي تشرين لم تنتهِ لأنها تحولت من حدث عابر إلى فكرة راسخة والأفكار البناءة لا يمكن تغييبها أو التراجع عنها، وستظل دائماً حافزاً للتذكير بأن الأوطان ستحق العمل المتواصل وبناء المؤسسات الرصينة القائمة على العدل والمواطنة الحقة