هيئة التحرير/ وكالة سنا الإخبارية
بقلم: طارق عرمان عباس العبدالله المنصوري
أكاديمي وباحث / أستاذ جامعي
المقدمة
لا تُقاس رصانة المؤسسات بحجم إمكاناتها المادية، ولا بعدد أنظمتها ولوائحها، ولا بكثرة المناصب والمسميات الإدارية فيها، رغم أهميتها، وإنما بمدى قدرتها على حماية قيمتها المهنية وصون العدالة وترسيخ المسؤولية ووضع الرجل المناسب في المكان الذي يستحقه.
فالمؤسسة التي تفقد بوصلتها الأخلاقية، مهما امتلكت من موارد وصلاحيات، تصبح عرضة للاهتزاز من الداخل؛ لأن فساد الإدارة لا يبدأ دائماً من مخالفة صريحة للقانون، بل قد يبدأ من خلل في الضمير، ممن يتولى منصباً في هيكلها التنظيمي، ومن أدمن تبرير الخطأ وتحويل السلطة إلى امتياز شخصي.
من هنا فإن الحديث عن رصانة المؤسسات هو، في جوهره، الحديث عن رصانة من يتولون الإشراف التنفيذي، وفي قدرتهم على الفصل بين المصلحة العامة والمصالح الشخصية، وعلى مراجعة ذواتهم وترميم ما تصدع من ضمائرهم.
المسؤولية الأخلاقية للقيادة التنفيذية
تُعد القيادة التنفيذية مسؤولية أخلاقية؛ فالذين ليس لهم القدرة على ترميم ضمائرهم لا يستطيعون قيادة المؤسسات.
ليست القيادة منصباً يُقاس بما تجبي من امتيازات مادية وما تمتلك من صلاحيات توظفها في مساحة الفساد وإفساد بيئة العمل، فالقيادة قبل كل شيء تمثل القدرة على حمل الأمانة حين تتعارض المصلحة الشخصية مع المصلحة العامة، وصون شرف المهنة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسات ليس ضعف الإمكانات ولا قلة الموارد، بقدر ما تتعرض له حين يتولى إدارتها أشخاص يعانون من العوز المستدام لكبح موبقاتهم السلوكية، وفي فقدان القدرة على مراجعة ذواتهم وترميم ما تصدع من ضمائرهم.
فالضمير المهني ليس ترفاً أخلاقياً يُستحضر في المناسبات، وإنما هو البوصلة الداخلية التي تمنع صاحب القرار من تحويل السلطة إلى وسيلة للانتقام أو المحاباة أو الوشاية والنفاق أو تحقيق المصالح الخاصة.
وحين يتعطل هذا الضمير، تصبح القوانين مجرد نصوص قابلة للتأويل بحسب المصلحة، وتتحول المعايير إلى أدوات انتقائية تستخدم أحياناً وتتعطل عند مقتضيات المصالح ومساحات الفساد التي تتوفر.
المشكلة أن البعض لا يرى في مراجعة الذات فضيلة، بل يعتبرها ضعفاً؛ لذلك يرفض الاعتراف بالخطأ، ويتعامل مع النقد بوصفه تهديداً شخصياً، ويبحث عن مبررات تبرئ ساحته الموبوءة بالفساد واستغلال الفرص، بدل أن يبحث عن الحقيقة التي تصحح المسار.
وهنا تبدأ المؤسسة في دفع ثمن العجز الأخلاقي للمتنفذين.
إن ترميم الضمير يعني امتلاك الشجاعة للاعتراف بأن الإنسان قد يخطئ، وأن المنصب لا يمنحه حصانة من الخطأ، وأن الاعتذار ليس انتقاصاً من الهيبة، وأن التراجع عن القرار الخاطئ ليس هزيمة، بل إن المخلص الحقيقي هو الذي يستطيع أن يقول: «أخطأت»، وأن يصحح الخطأ قبل أن يتحول إلى سياسة عامة أو ثقافة منظمة.
أما حين يصبح المسؤول أسيراً لصورته أمام الآخرين، فإنه غالباً ما يختار حماية صورته بدلاً من حماية المؤسسة، وقد يستمر في الدفاع عن قرار خاطئ فقط لأنه صدر عنه، ويقصي أصحاب الرأي المختلف، ويقرّب من يصفقون له، حتى تنتهي المؤسسة إلى دائرة مغلقة يسمع فيها القيادة ما تريد سماعه، لا ما ينبغي أن تسمعه.
ومن هنا، فإن فساد الإدارة لا يبدأ دائماً من اختلاس المال أو إساءة استخدام الصلاحيات، قد يبدأ من فساد أكثر هدوءاً: تبرير الخطأ، وقتل روح النقد، ومساواة الولاء بالكفاءة، وتقديم العلاقات الشخصية على الاستحقاق.
وعندما تصبح هذه الممارسات عادية، تفقد المؤسسة شيئاً أهم من المال؛ تفقد سمعتها الضامنة لثقة المجتمع، وبدوره.
الشخص الذي لم يرمم ضميره سيجد صعوبة في إنصاف الآخرين؛ لأنه سيقيسهم بميزان مصالحه، وسيصعب عليه أن يضع الشخص المناسب في المكان المناسب إذا كان يرى الكفاءة تهديداً لنفوذه، كما سيجد في أصحاب الضمير الحي إزعاجاً مستمراً؛ لأن وجودهم يذكره بما ينبغي أن يكون عليه القرار الإداري من نزاهة وتجرد.
لهذا، فإن إصلاح المؤسسات لا يبدأ دائماً من الهياكل واللوائح، وإن كانت مهمة، بل يبدأ أيضاً من الإنسان الذي يديرها.
فلا قيمة لنظام رقابي إذا كان من يفترض به تطبيقه يبحث عن ثغراته، ولا جدوى من مدونات السلوك إذا كان المسؤول يرى نفسه فوق المساءلة، ولا معنى للكفاءة الإدارية إذا انفصلت عن النزاهة.
المؤسسة القوية ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على اكتشاف أخطائها وتصحيحها، والقيادة الناضجة ليست التي لا تتعرض للنقد، بل التي تستطيع الاستماع إليه دون أن يتحول النقد في ذهنها إلى خصومة.
إن ترميم الضمير عملية شاقة؛ لأنها تتطلب مواجهة الإنسان مع نفسه قبل مواجهة الآخرين، لكنها ليست خياراً ثانوياً؛ فكل سلطة بلا ضمير قابلة لأن تتحول إلى استبداد صغير، وكل مؤسسة بلا أخلاق قيادية معرضة لأن تتحول إلى مساحة للمصالح.
وفي النهاية، قد يستطيع الإنسان أن يرمم مبنى، ويعيد هيكلة مؤسسة، ويغيّر اللوائح، ويستبدل الموظفين، لكنه لن يستطيع أن يبني مؤسسة سليمة بأصحاب الضمائر المنخورة التي ترفض الإصلاح.
فالذين لا يملكون شجاعة ترميم ضمائرهم، مهما امتلكوا من شهادات وألقاب، قد يستطيعون إدارة مؤسسة لبعض الوقت، وقد يخدعون القيادات العليا لفترة محدودة، لكنهم لن يستطيعوا قيادة المؤسسة نحو الثقة والعدالة والاستدامة، ولن يضيفوا قيمة علمية أو أخلاقية لبيئة العمل.
الخاتمة
في نهاية المطاف، تبقى المؤسسات أكبر من الأشخاص، والمناصب أضيق من أن تكون تشريفاً لأحد، وما يبقى للمسؤول بعد مغادرة موقعه ليس حجم الصلاحيات التي امتلكها ولا مقدار الامتيازات التي حصل عليها، وإنما السيرة التي تركها، والأثر الذي أحدثه في مسيرته الوظيفية، والضمير الذي حافظ عليه.
إن شرف المهنة لا يُحمى بالنصوص وحدها، وإنما بمن يؤمنون بأن المسؤولية أمانة، وأن السلطة امتحان، وأن العدالة قيم ومبادئ.
فحين يستقيم الضمير تستقيم معه البوصلة، وحين تستقيم البوصلة يصبح للمنصب معنى، وللقانون هيبة، وللمؤسسة مستقبل.