تغيير شكل العملة لا يكفي من يحمي الموظف والمتقاعد والفقير من كلفة الإصلاح

✍️بقلم: محمد العيداني

إن الحديث عن تغيير شكل العملة وحذف الأصفار من الدينار العراقي يجب ألا يتحول إلى مجرد إجراء شكلي أو محاسبي، بل ينبغي أن يكون جزءاً من إصلاح اقتصادي ومالي شامل يعيد للدينار قوته الحقيقية ويحمي المواطن من أي آثار جانبية قد تنتج عن هذه الخطوة.
فالدينار العراقي مرّ خلال العقود الماضية بظروف اقتصادية استثنائية، ولا سيما خلال سنوات الحصار الاقتصادي، وما رافقها من تضخم وتوسع في طباعة النقد وتراكم الاختلالات المالية، حتى أصبحت الأرقام النقدية المتداولة اليوم بعيدة عن الصورة التي كان عليها الدينار العراقي في السابق.

وإذا كان الهدف من حذف الأصفار هو إعادة تنظيم العملة وتسهيل التعاملات وإعادة هيكلة النظام النقدي، فإن السؤال الأخطر يبقى من سيدفع ثمن هذا التغيير إذا لم ترافقه رقابة حقيقية على الأسواق والأسعار
الموظف والمتقاعد وذوو الدخل المحدود هم الحلقة الأضعف. هؤلاء لا يملكون أدوات المضاربة ولا القدرة على حماية دخولهم من ارتفاع الأسعار. وأي خطأ في إدارة عملية استبدال العملة قد يتحول إلى عبء إضافي على المواطن، خصوصاً إذا استغل بعض التجار والمضاربين المرحلة الانتقالية لرفع الأسعار أو التلاعب بقيمة السلع والخدمات.

كما أن حجم الأموال الموجودة خارج الجهاز المصرفي يمثل تحدياً مهماً أمام أي عملية نقدية واسعة، ولذلك فإن نجاح أي تغيير للعملة يحتاج إلى إجراءات مصرفية ورقابية دقيقة، وضمانات واضحة للمواطنين، وآليات تمنع استغلال العملية لغسل الأموال أو المضاربة أو إدخال الأموال غير المشروعة في الدورة الاقتصادية.
لا يمكن إصلاح العملة وترك السوق بلا رقابة.

فالإصلاح النقدي الحقيقي يجب أن يتزامن مع رقابة صارمة على الأسواق، ومتابعة حركة الأسعار، وتعزيز دور البنك المركزي والجهات الرقابية والاقتصادية والمالية، ومحاسبة كل من يحاول استغلال تغيير العملة للإثراء غير المشروع على حساب العراقيين.

إن الدينار ليس مجرد ورقة نقدية تتغير أرقامها أو شكلها؛ إنه جزء من الاقتصاد الوطني وثقة المواطن بدولته. ولذلك فإن إعادة الدينار إلى صورة أكثر واقعية يجب أن تكون خطوة مدروسة، شفافة، ومحمية بقوانين وإجراءات تمنع الفوضى المالية.

المطلوب ليس حذف الأصفار فقط، بل حذف أسباب الفقر والتضخم والتلاعب والفساد من المنظومة الاقتصادية.

فإذا تغيرت العملة وبقيت الأسعار منفلتة، وبقي الفساد المالي، وبقيت الرقابة ضعيفة، وبقي المواطن يتحمل وحده نتائج القرارات الاقتصادية، فإن تغيير شكل الدينار لن يكون إصلاحاً حقيقياً، بل مجرد تغيير في الأرقام.

العراق يمتلك موارد ضخمة وثروات كبيرة، ويستحق نظاماً نقدياً واقتصادياً يحفظ كرامة مواطنيه ، وأي خطوة باتجاه تغيير العملة يجب أن تبدأ من سؤال واحد كيف نحمي راتب الموظف، ودخل المتقاعد، ومعيشة الفقير، وقدرة المواطن على شراء احتياجاته ،فالعملة يمكن تغيير شكلها، لكن كرامة المواطن لا يجوز أن تكون ثمناً لأي إصلاح اقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *