هيئة التحرير/ وكالة سنا الاخبارية
إعداد: القسم الثقافي
في لقاءٍ خاص على ضفاف مهرجان بابل تحدّث الفنان الرائد الدكتور عزيز جبر يوسف عن المكانة الجوهرية التي يحتلها الكاتب المسرحي، ودوره المحوري في نهوض المسرح العراقي، فضلاً عن التحولات التي شهدها النص المسرحي بين الأمس واليوم.
يرى الدكتور عزيز أن المؤلف المسرحي يمثل “البذرة الأولى” لأي عمل مسرحي، مشيراً إلى أن السنوات الأخيرة شهدت نوعاً من التهميش لدوره لصالح الإخراج أو الأداء، رغم أن المسرح لا يمكن أن ينهض دون نصٍ رصين يمتلك عمقاً فكرياً وصدقاً إنسانياً وحساً درامياً متصلاً بالواقع.
ويؤكد أن وظيفة الكاتب المسرحي لم تعد محصورة في الأطر الكلاسيكية، بل انفتحت على أشكال جديدة مثل المسرح التسجيلي والمونودراما والنصوص المفتوحة، حيث يكمن التحدي في تحقيق التوازن بين الوعي المعاصر والالتزام بقضايا المجتمع.
وعن أبرز مؤلفي المسرح العراقي، أشار إلى أسماء راسخة أسهمت في بناء الهوية المسرحية، مثل يوسف العاني الذي مزج ببراعة بين الهم الشعبي والطرح السياسي، وعادل كاظم بنصوصه الفلسفية العميقة، وقاسم محمد الذي قدّم صياغات مميزة للمسرح الشعري مستلهماً التاريخ العربي، إلى جانب طه سالم الذي جمع بين الواقعية والأسطورة.
كما أثنى على عدد من كتّاب الجيل الحديث، منهم حامد المالكي، علي عبد النبي الزيدي، عباس الحربي، مثال غازي، ومقداد مسلم، فضلاً عن كتّاب شباب يمتلكون روح الجرأة والتجريب، مؤكداً أنهم يستحقون الدعم والرعاية. ولم ينسَ الإشارة إلى الراحل سعد هدابي، الذي شكّل صوتاً متفرداً في الكتابة المسرحية، وكان لرحيله المبكر أثرٌ في خسارة تجربة واعدة.
وفي حديثه عن سبل تعزيز مكانة المؤلف المسرحي، شدد على ضرورة الاعتراف به كعنصر تأسيسي في العمل المسرحي، لا يقل أهمية عن المخرج والممثل، وذلك من خلال إشراكه في مراحل الإعداد والإنتاج، وتفعيل ورش الكتابة، ونشر النصوص المسرحية بشكل منتظم، فضلاً عن منحه ما يستحق من جوائز وتكريمات، وإدماجه في النقاشات النقدية المتعلقة بالعروض.
ويرى أن الكاتب المسرحي لا ينبغي أن يُقيَّد بتوجه أيديولوجي محدد، بل عليه أن يكون واعياً بقضايا مجتمعه، قادراً على طرح الأسئلة لا الشعارات، جامعاً بين الحس التجريبي والعمق المعرفي.
أما عن مواصفات الكاتب الذي يبحث عنه المخرج أو الممثل، فيشير إلى أنه ذلك الذي يمنح شخصياته عمقاً إنسانياً حقيقياً، ويترك مساحة للتأويل، ويدرك طبيعة الخشبة زمانياً وبصرياً، ويكتب بلغة حيّة وحوار ذكي، قبل كل شيء يمتلك رؤية واضحة لا مجرد حكاية.
وفي سياق المقارنة بين كتاب المسرح الإغريقي وكتاب اليوم، يوضح أن المسألة لا تتعلق بتعارض بقدر ما هي اختلاف في الرؤية والوظيفة. فالمسرح الإغريقي ارتبط بطقوس دينية واجتماعية، وركّز على مفاهيم القدر والمصير ضمن بنية درامية تقليدية تنتهي بالتطهير، بينما يتجه الكاتب المعاصر نحو مقاربة نقدية للواقع، منطلقاً من الإنسان لا من الآلهة.
ويكمن الاختلاف في طبيعة الصراع، حيث انتقل من صراع مع القدر إلى صراعات اجتماعية ونفسية، وكذلك في بنية النص التي تحررت من الصرامة الكلاسيكية نحو أشكال أكثر انفتاحاً وتجريباً، فضلاً عن تحوّل وظيفة المسرح من طقس جماعي إلى فعل فكري قد يحمل بعداً تحريضياً.
وعن مداخل التطور في عصرنا، يشير إلى تحوّل طبيعة الجمهور من كيان جمعي إلى أفراد متباينين، مما فرض على الكاتب تغيير أدواته التعبيرية، إلى جانب تأثير التقنيات الرقمية التي أصبحت جزءاً من لغة العرض المسرحي، فضلاً عن انهيار النموذج الواحد في الكتابة، وصعود التنوع والتداخل بين الأشكال المسرحية.
ويخلص الدكتور عزيز إلى أن الكاتب المسرحي اليوم يقف أمام مسؤولية كبيرة، تتطلب وعياً تاريخياً وجمالياً عميقاً، ليتمكن من إنتاج نص يواكب التحولات المتسارعة، دون أن يفقد صلته بجوهر المسرح بوصفه مرآةً للإنسان والمجتمع.
ختاما نقول لك استاذنا الكبير شكرا لسعة صدرك واجابتك..
د.عزيز:
شكرا لك ايها العزيز ونتمنى لكم التوفيق بنقل كل ما هو مفيد لقرائكم
