بقلم : نبرد فواد
فى منتصف شهر أيار من العام الجارى, قررت مجموعة من عوائل و أقارب المؤنفلين من منطفة كرميان زيارة محافظة المثنى، خاصة منطقتي تل الشيخة و سجن نقرة السلمان، وذلك للمشاركة فى احياء ذكرى المقابر الجماعية فى العراق. وبالرغم من اننى من أقارب بعض المؤنفلين، انني قررت فى هذة المرة ان أشارك كمخرج لانهاء فيلمنا الوثائقي فى تلك البعقة المليئة بالاسرار و الدماء و والاهات.
يجب التاكيد قبل كل شي عدم امكانية ذكر و احتواء كل تفاصيل الرحلة فى مقال واحد كهذا. لذا اذكر بايجاز كل ما يسعفنى به هذه المساحة الضيقة.
كانت المسافة فى نقطة انطلاقنا(مركز قضاء كلار-كرميان) وحتى سجن قلعة السلمان نقرة التابعة المركز السماوة، طويلة و مرهقة، وصلت الى حوالى 700 كم. فبعد وصولنا الى السماوة واستقبال الناس لنا بالترحيب و الاحترام، ماعدا السيد المحافظ (لأن سيادته لم يكن حاضرا!!) وصلنا فى الساعة 9:15 مساء الى تل الشيخة، حيث أغرقنا خليط سوى من رائحة بقايا أزهار القرنقل على اعناق أمهاتنا و أخواتنا المدفونات تحت تلك الرمال, وا رائحة أسماك الفرات و خبز الصوير و النعناع البرى فى جبال قنديل.
بعد السهر الكئيب و انقضاء اليل، مع أولى خيوط النهار, هاجمتنا صرخات، عويل و بكاء غير مسموعة و صامتة. شخصيأ أهبت بحالة من الرهبة و الذهول، ولم أدرك الآ بعد حين بانها صادرة من بقايا الرفات و المتراكمة تحت الرمال. كانت كلماتهم و صرخاتهم محددة و واضحة جدا(( اخرجونا من هنا… اعيدونا الى قرانا و ديارنا… نريد ان نرى الجبال مرة اخري.. نخشى على الماعز و الخرفان من الموت بسبب العطش و ان تصاب القطط بالعمي.. الستم اهلنا؟ اذن مم تخافون لتعيدونا الى ديارنا؟ من صدام؟ أو من امثال صدام العديدين الذين جاءوا بعد صدام؟)) كنا صامتون صمت الموت. فقط نسمع و الهاجس الامر المخيف.. حينئذ جاء الجواب من جمجمة مجهولة الجنس مثقوبة بالرصاص " ..اه يا زائرينا الآعزاء نحن نريد ان تعيدوننا، ولكن اياكم ان تهملونا و تعاملوننا كما فعلوا سابقا و قتولنا مرة اخري؟ الا تذكرون عام 2012 حينما اخرجوا العشرات من رفات جثثنا ووضعونا فى المشرحة دار السلام(بغداد)، و من ثم أزالوها من الوجود و قالوا لنا بان حريقا قد حدث بسبب خلل فننى كهربائي؟ يا اهلانا، ما هو ذنبا؟ هل لأننا كنا بسطاء و نعشق حياتنا مع الشجر و الينابيع و حيوانتا الاليفة؟ ام لاننا فقط لكراد ليس ألا؟ الم يقولوا لنا باننا اخوة فى هذا البلد؟ الم نشاركهم فى بناء البلد؟ ألم نشارك فى كتابة الدستور؟ السنا الوحيدين الذين رئيس الجمهورية كردى و منا؟ اذن من بهتم بصرخات تلك العظام المتناثرة تحت رمال الصحراء"
لم نتمكن جميعا من الاجابة، فهولاء هم ضحايا السلطة سابقا و هم الان كبقايا عظمية من ضحايا السلطة الحالية، لانها هى التى تقرر مصيرهم بالعودة الى ديارهم ام ابادتهم من جديد بالحرق و الفناء النهائى او ابقاء الوضع على ما هو عليه. اقول صدقا, نحن ألاموات و هم الآحياء ، نحن الصامتون و المذلولين, هم الصارخون و بوجهنا و الشاتمون لنا.
فى تلك اليلة الكئيبة و الصباح الملئ بالصمت، سمعنا كل شى, البكاء و عويل، ولشتم والعتاب، الرهبة المملوةء بالآرتجاف، الضحك الهسترى، التقيؤ المملوء بالحزن، الارتباك أمام المصير المجهول. أردنا أن نغفو قليلا، ولكن هيهات. فقد كان هناك صبى صغير ينادى والدته, واخر شقيقة، واخر عشيقة و ام اولادة. يا لهول الصحراء الرهيبة، وحث رهيب تستطيع ان تتوعب معدته ألاف و الاف من امثال هولاء الضحايا. والامر من ذلك أنة و بعد مرور اكثر من عشرون عامة على سقوط قاتلنا، ومرور المئات من الابطال المزيفين بقربنا وعلى صدورنا، لم يتجرؤا على تمزيق بطن الصحراء و اخراج بقايانا. فهولاء هم فى النهاية من أهل و اصدقاء الصحراء. ويالها من صداقة مروعة.
فى صباح اليوم التالى توجهنا الى سجن نقرة السلمان، القلعة المنفية فى عمق صحراء. والصول لى الحصن هذا بالنسبة للاكراد، هو الوصول الى رائحة العذاب و الذل و الموت، فيصابون بالارتجاف، ليس جبنا، بل حزنا و قهرا على عدم موتهم فى تللك الحظات كأقاربهم من الضحايا بسبب العطش و الجوع المفروض عليهم من قبل جلاديهم، ولكى يصبحوا بذلك تأريخنا حقيقيا. انها قلعة مليئة بالذكريات الطافية فى كل بقعة منها. فرأينا امراة طافية فى الهواء، تنافس بجمال رقبتها الغزلان، وتغطى يديها وشوم تذكارية من جدهتا، فقصت لنا عن بطولة أقاربها من ضحايا القلعة، فقالت" لدي شقيقان، واخي الصغير عبدالقادر كان عمره سبع سنوات، مات من الجوع و العطش. كان ذلك فى ظهيرة صيف حار. سمح الحراس لوالدي بدفنه. ولكن من اين له بكفن؟ لم يجد سوى شماغة المشبع بالعرق و الغبار، فلف جسد ابنه الخفيف فيه، و سلمة الى الجندى الحارس لكى يدفنه خارج القلعة، حين منعوا والدى من الخروج و مواكبة جثة أخى. بعد سويعات قليلة خرجت أنا الى خارج القلعة بحجة اخراج القمامة من السجن كعادتنا اليومية. فرايت جثة رجل عجوز من قرية دوراجى(قرية من كرميان). لقد كان مشهدا صادما و مرعبا يتكرر يوميا بأن نرى جثثنا جديدة مرمية فى تلك الانحاء. ولم يكن لنا الخيار ألا ان نرى جثث أحباءنا والكبارو الصغار. ولكن لصدمة الكبرى كانت حينما التفت الى الوراء ورايت ذلك الكب الاسود المسعور ذو الاسنان الصفراء المقززة، وقد وضع رأسه فى بطن اخى و يأكل من امعائه."
هذه المراة صاحبة القصة- المأساة هذه اسمها فائزة، هى الان حية ترزق و تعيش فى مدينة كلار، وكل ذو شعور انساني يستطيع التواصل معها و الاستماع الى قصتها و قصة ومأساة العشرات فى أمثالها فى نقرة السلمان.
فهلقوا ياكل من يعشقون و يبحثون عن الرواية و الشعر و القصة و السينما و فلفسة الاخلاق لزيارتها مع الاخريات فى الضحايا، حيث تجدون الديهن اكواما منة التراجيديات الواقعية الدموية. أما انتم يا أيها السلاطين الكبار و الصغار، فعليكم بزيارة موقع الجريمة، وهو جزء صغير من مواقع عديدة الجريمة الابادة الجماعية الآكراد و مقابرهم الجماعية المنتشرة فى تلك الصحارى، وذلك لكى تشعروا ولو قليلا بمعاناة أهالى ضحايا الابادة الجماعية الباقون على قيد الحياة والذين ينتظرون عودة رفات أحبائهم الى ديارهم بحرقة. فلقد استسلمنا لتعنتكم المتواصل، ولم نعد نطالبكم بالاعتراف بهذه الجريمة كابادة جماعية و كتعويض معنوى للشعب الكردى، لان هذه المطالبة و لأكثر من عشرين سنة اصبحت بدون فائدة و مستحيلة. ولكن مع كل هذا، وعلى اقل تقدير، الا يستحق اولئك الضحايا قبورا رمزية لهم؟ ألا يستحقون نصبأ تذكاريا؟ ألا يستحقون من الجهات المختصة اصدار تعليمات و أوامر بمنع حراثة و زرع تلك المواقع التى هى قبور جماعية، بالقمح والشعير؟ فما معني هتك القبور حيث تمارسونه؟ فأن كان صدام قد أبادنا جسديا، فأنتم الان مسؤولون عن ابادة أحباءنا معنويأ و هتك قبورهم الجماعية. أنتم أيضا مسؤولون أمام التاريخ.