إقتصاد الأنتباه؛ كيف تحول مشروع صناعة التفاهة الى قيمة عليا وسلعة رابحة..!؟

إقتصاد الأنتباه؛ كيف تحول مشروع صناعة التفاهة الى قيمة عليا وسلعة رابحة..!؟غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.▪️ المقدمة:تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك ظاهرة “صناعة التفاهة” بأعتبارها صناعة منظمة، وليست ظاهرة عفوية أو إنحدار طبيعي في الاذواق، بل حالة أجتماعية تملك أدواتها ورأس مالها وأهدافها السياسية والإقتصادية.ولأن صناعة التفاهة في العصر الرقمي أصبح مشروعاً إستثمارياً يهدف إلى إغراق الفضاء العام بالمحتوى الهابط، لإلهاء الجماهير عن القضايا الجوهرية الهامة.وفي ظل هذه المنظومة المتكاملة، لا أشكالية في رصد  ومعرفة وجودهم، لكون التفاهة ظاهرة إجتماعية قديمة، بل بتفكيك البنية التي نقلتهم من هامش الحياة الإجتماعية الى مركزها، ومن يمول بقائهم في الصدارة ؟أولاً:  من التفاهة كصفة إلى التفاهة كنظام.كان التافهين في الماضي أشخاص هامشيين، يعيشون على أطراف المجتمع، أما اليوم فقد تحولوا تحولا نوعياً، وأنتقلوا من الإستثناء إلى القاعدة، ومن الهامش إلى المركز، وترقوا من الظاهرة إلى النظام، ومن الصفة الفردية إلى الأيديولوجية الحاكمة، وهذا التحول حتماً ليس صدفة.فرق الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه الشهير “نظام التفاهة” بين التفاهة كضعف فردي، وبين نظام التفاهة كأيديولوجية حاكمة. فالنظام لا يكتفي بقبول التافه، بل يكافئه ويرقيه ويجعله معياراً للنجاح، بينما يقصي المبدع الحقيقي لأنه مزعج ومعقد ويطرح أسئلة كثيرة.صناعة التفاهة إذن هي العملية الممنهجة التي يتم من خلالها تحويل المحتوى الهابط إلى سلعة رائجة، وتحويل الشخص الفارغ إلى نجم، وتحويل الجمهور من متلقٍ نقدي إلى مستهلك سلبي.ثانياً: كيف تصنع التفاهة؟تقوم صناعة التفاهة على ثلاثة أركان متكاملة:1️⃣. الركن الإقتصادي:في الإقتصاد التقليدي، السلعة هي النفط أو القمح. وفي الإقتصاد الرقمي، السلعة هي الأنتباه. فالمنصات لا تربح من الأذكياء، بل تربح من البقاء أطول فترة ممكنة أمام الشاشة.وهناك بعض الدراسات السلوكية تثبت أن المحتوى التافه، الصادم، الساخر، الجنسي، الفضائحي، يبقي المستخدم 6 أضعاف مدة بقائه أمام المحتوى الجاد والمعقد.لذلك فإن خوارزميات المنصات مبرمجة بطبيعتها لترويج التفاهة، ليس لأنها تحب التفاهة، بل لأن التفاهة تدر أرباحاً أكثر. وهنا يتحول التافه من مجرد صانع محتوى إلى شريك تجاري للمنصة.2️⃣. الركن السياسي:في كل المجتمعات الاستعراضية، عندما تريد السلطة، أي سلطة كانت، أن تمرر قرار غير طبيعي، أو أن تغطي على فشلها، فإنها لا تمنع الكلام، بل تغرق السوق بكلام فارغ.من خلال ضخ كمية هائلة من المعارك الوهمية، والفضائح المفتعلة، والترندات التافهة، حتى يصبح المواطن مرهقاً معرفياً.فكل من يقضي وقته يتابع معركة بين إثنين من مشاهير التيك توك حول من سرق أغنية من الآخر لمدة 4 ساعات كاملة، لن يجد طاقة نفسية ليتابع جلسة البرلمان أو ليسأل أين ذهبت ميزانية النفط. فالتفاهة هنا تحولت من ظاهرة سخيفة إلى أداة حكم سياسي.3️⃣. الركن النفسي: أخطر ما تفعله صناعة التفاهة هو أنها تدمر سلم القيم. في النظام الطبيعي، فمن يدرس 20 سنة، يتعب، يبدع، ثم ينجح. في نظام التفاهة كل ماعليك فعله هو أن ترقص 20 ثانية أمام الكاميرا بطريقة غريبة، فتصبح مليونير بلا جهد  ومشهور بلا نجاح.هذه الرسالة الموجهة للمراهق والشاب خطيرة جداً. إنها تقول له ضمناً: لا داعي للعلم، لا داعي للعمل الشاق، لا داعي للأخلاق. كل ما تحتاجه هو أن تكون أكثر تفاهة وأكثر سخافة وأكثر إنحطاط من غيرك. وهكذا يتم إنتاج جيل كامل يؤمن بأن الشهرة أهم من الكفاءة، وأن الظهور أهم من الإنجاز.ثالثاً: أدوات صناعة التفاهة في العراق.يمكن رصد صناعة التافهين في السياق العراقي عبر أربع أدوات واضحة:أ. تهميش القدوة وإبراز النقيض:يتم تجاهل شبه كامل للعالم والطبيب والمهندس والكاتب والمدرس المبدع في الإعلام الرئيسي. فلا يتم استضافتهم، ولا يتم تكريمهم. وفي المقابل، يتم منح مساحة إعلامية ضخمة لشخص لا يملك أي مؤهل سوى أنه مثير للجدل. وبالمحصلة النهائية، يفهم الطفل أن المجتمع لا يحترم العلم، بل يحترم الضجيج والشوشرة.ب. تحويل الفشل إلى محتوى قابل للبيع:في السابق كان الإنسان يخجل من فشله. أما في صناعة التفاهة، الفشل نفسه يتحول إلى محتوى قابل للبيع. مثلاً شجار عائلي، فضيحة أخلاقية، إفلاس، كلها تبث على الهواء كقصص يومية لجلب المشاهدات، وهنا يتم التطبيع مع الرداءة الأخلاقية.ج. التسطيح اللغوي والفكري: صناعة التفاهة تحتاج إلى لغة مسطحة، جمل قصيرة، صراخ، سباب، لا تحتاج إلى لغة عميقة. يتم أستبدال الحوار الفكري بالترند والهاشتاغ والتحدي. ويتم اختزال قضية معقدة مثل البطالة أو الفساد في فيديو مدته 15 ثانية مع أغنية راقصة. هذا التسطيح هو قتل متعمد للقدرة النقدية للجمهور.د. شراء الشرعية:التافه في البداية يكون مرفوض، لكنه بعد أن يجمع ملايين المتابعين، يبدأ بشراء الشرعية: يلتقي بسياسي معين، يظهر مع رجل دين، يكرم من قبل مؤسسة رسمية، يصبح سفيراً للنوايا الحسنة. وهنا تتحول التفاهة تلقائياً الى سلطة.رابعاً: النتائج البنيوية لصناعة التفاهة1️⃣. أغتراب الكفاءات، وإنسحاب المبدع الحقيقي من المجال العام، لأنه لا يجد مكاناً فيه، وهذا ما يفسر ظاهرة صمت النخب في العراق.2️⃣. تآكل الثقة الاجتماعية، فعندما يصبح الكذب والمبالغة والتمثيل هي أدوات النجاح، يفقد المجتمع ثقته بكل شيء حتى بالحقائق.3️⃣. إعادة إنتاج الفساد، نظام التفاهة هو البيئة المثالية للفساد، فالفاسد لا يريد شعباً واعياً يسأل عن الأرقام، بل يريد شعباً مشغولاً بمن هو أكثر تفاهة وأشد أنحطاط.▪️ الخاتمة:أن صناعة التفاهة ليست مزحة، وليست مجرد فيديوهات مضحكة. إنها نظام حكم متكامل، يقوم على معادلة بسيطة جداً، كلما زادت تفاهة الشعوب سهل حكمها والسيطرة عليها.وكل المجتمعات التي تصفق للتافهين وتتجاهل العلماء، هي مجتمعات تحفر قبرها بيديها. والمؤسسات التي تكرمهم إنما تعلن إفلاسها الأخلاقي، فالمعركة اليوم ليست بين جيل قديم وجيل جديد، ولا بين محافظ ومتحرر، بل هي معركة بين نظامين، نظام لا يريد موت افكارك، ونظام يريد أن يختزل الرجل في وظيفتة الأستهلاكية ويختزل المرأة في وظيفتها الجسدية.وبكيف الله

اترك تعليقاً