أحتمالية ضرب إيران بالنووي، عندما يصطدم القرار السياسي بميدان مشتعل وكلفة لا تحتمل..!!

أحتمالية ضرب إيران بالنووي، عندما يصطدم القرار السياسي بميدان مشتعل وكلفة لا تحتمل..!!غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.▪️المقدمة:لم يعد الحديث عن ضربة نووية ضد إيران مجرد خيال في روايات الحرب الباردة. فخلال الأيام الماضية فقط، عاد هذا السيناريو إلى واجهة الإعلام العالمي بقوة، بعد تقرير مثير للإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، زعم فيه أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضغط يومياً على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدفعه إلى إستخدام سلاح نووي ضد منشأة إيرانية محصنة تحت الأرض.فهل نحن أمام تهديد حقيقي؟ أم أمام لعبة ضغط نفسي؟ولماذا يُطرح الخيار النووي الآن بالذات؟أولاً: من أين جاءت الفكرة؟القصة بدأت من مشكلة تقنية، لا من رغبة في التدمير الشامل.بعد حربي 2025 و 2026، تقول الإستخبارات الأمريكية والإسرائيلية إن إيران نقلت مركز ثقل برنامجها النووي من نطنز وفوردو، اللذين تعرضا لضربات كبيرة، إلى مجمع جديد تحت جبل في أصفهان، على عمق يقدر بنحو 90 متراً من الغرانيت الصلب.المشكلة أن أقوى قنبلة خارقة للتحصينات في الترسانة الأمريكية التقليدية، لا تستطيع إختراق هذا العمق.وهنا ظهرت الحجة التي يروج لها أنصار الخيار النووي وهي أنه لا يوجد سلاح تقليدي يستطيع الوصول إلى المنشأة النووية، والسلاح الوحيد القادر عليها هو قنبلة نووية خارقة للتحصينات من طراز القنبلة النووية.هذا هو جوهر تقرير كارلسون، ونتنياهو، بحسب زعمه، طبّق أقصى ضغط ممكن على أقرب حلفائه في الإدارة الأمريكية، بمن فيهم وزير الدفاع وقيادة القيادة المركزية، وكلاهما يعارض التسوية التفاوضية ويدفع لإعادة بدء الحرب.في المقابل، نفى البيت الأبيض الرواية، وقال ترامب إنه لا يحتاج إلى إستخدام الأسلحة النووية في مواجهة إيران، وأنه دمر 90% من قوتها.لكن حتى هذا النفي لم ينهِ الجدل. فكاتب إسرائيلي مقرب من المؤسسة الأمنية، هو ميخائيل ميلشتاين، أخذ التقرير على محمل الجد، وكتب أن ”مزيجاً من زعيمين جريحين سياسياً، ترامب ونتنياهو، مليئين بالغضب والرغبة في إستعادة صورتهما، قد يكون متفجراً من حيث التصعيد في المنطقة“ثانياً: ما هو الواقع الميداني الإيراني؟قبل أن نحكم على إحتمال الضربة، يجب أن نفهم ماذا تبقى من البرنامج الإيراني على الأرض.في 2026، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أمام مجلس الأمن: ”منذ 2025، لم نتمكن من رصد أي نشاط من جانب إيران لإصلاح أو إعادة بناء المرافق التي تضررت جراء الهجمات العسكرية في 2025 و2026“.لكن في الوقت نفسه، حذّر غروسي من أن الوكالة عاجزة عن التحقق من مصير نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب، والمخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة قريبة تقنياً من عتبة السلاح النووي البالغة 90%.وهذا هو التناقض الذي يغذي الأزمة، فمن جهة، لا يوجد دليل على أن إيران أعادت بناء منشآتها المدمرة.ومن جهة أخرى، لا يوجد دليل على أن مخزونها من اليورانيوم آمن وتحت الرقابة الدولية.وهذا الفراغ المعلوماتي هو أخطر ما في المشهد. فعندما لا تعرف أجهزة الإستخبارات أين المواد وكيف ومتى نقلت، ولا تعرف الوكالة الدولية ماذا تفعل أو فعلت بها طهران، يصبح الخيال العسكري بديلاً عن الحقيقة.وهنا يكمن الواقع الميداني:، فطهران لم تنكسر، ولم تستسلم، ولم تتخل عن برنامجها، لكنها في الوقت نفسه لم تعلن امتلاك سلاح نووي، وما زالت تتحرك في منطقة الغموض الإستراتيجي المقصود، الذي يحميها من ضربة حاسمة، ويجعل أي هجوم عليها مغامرة غير محسوبة النتائج.ثالثاً: لماذا يُطرح الخيار النووي الآن؟هناك أسباب سياسية مهمة تجعل هذا التوقيت حساس للغاية،1️⃣. زعيمان في نهاية الطريق؛ترامب ونتنياهو يواجهان تراجعاً في شعبيتهما الداخلية لأن ترامب خسر الإنتخابات النصفية جزئياً بسبب إيران، ونتنياهو لم يستطع نيل الأغلبية في الكنيست في إنتخابات الأسبوع الماضي. ويسعى كلاهما يائسين إلى إنقاذ ما تبقى لهما من مصداقية ضئيلة لدى شعبيهما، عبر إثبات أن الحرب على إيران لم تكن فشلاً ذريعاً.2️⃣. تباين الأهداف بين واشنطن وتل أبيب؛تقارير إسرائيلية تشير إلى أن الأهداف الأمريكية والإسرائيلية قد لا تتطابق تماماً، فبينما تتحدث أصوات أمريكية عن عملية قصيرة ومكثفة لتحسين شروط التفاوض، يتحدث نتنياهو عن إسقاط النظام الإيراني بالكامل.3️⃣. فشل الضربات التقليدية في حسم الملف؛حربا 2025 و2026 لم تنهيا البرنامج الإيراني، بل دفعته إلى مكان أعمق وأكثر تحصيناً. وهذا يخلق إغراءً خطيراً عند بعض العسكريين، فإذا لم تنجح القنابل التقليدية، فلنجرب ما هو أقوى.رابعاً: ما هي السيناريوهات المطروحة؟المحللون يميزون بين ثلاثة سيناريوهات، وليست كلها بدرجة الإحتمال نفسها:أ. السيناريو الأول، ضربة نووية تكتيكية محدودة.هذا هو السيناريو الذي يتحدث عنه كارلسون.وبالرغم من كونه أحتماله منخفض، لكنه ليس صفراً، لأنه يتطلب قراراً من الرئيس الأمريكي وحده، ولا يحتاج إلى موافقة الكونغرس.ب. السيناريو الثاني، التهديد النووي كأداة تفاوض.التلويح بالخيار النووي لإخافة إيران ودفعها إلى قبول إتفاق بشروط أمريكية قاسية، دون تنفيذ فعلي.احتماله مرتفع.ج. السيناريو الثالث: ضربة تقليدية واسعة بديلة.تدرس واشنطن وتل أبيب خيارين معاً، فأما إستهداف المنشآت النووية، أو توسيع الهجمات لتشمل البنية التحتية للطاقة الإيرانية.احتماله متوسط، لأنه الخيار الأكثر واقعية في الحسابات السياسية والعسكرية، لكونه لا يكسر المحرم النووي.خامساً: لماذا يصعب تنفيذ الضربة النووية؟رغم كل التهويل الإعلامي، الأ أن هناك عدة موانع قوية تجعل الضربة النووية احتمالاً بعيداً:1️⃣. المانع القانوني والأخلاقي؛إستخدام السلاح النووي ضد دولة غير نووية، لم تستخدم سلاحاً نووياً، سيكون سابقة لم تحدث منذ هيروشيما وناغازاكي في 1945. وستضع أمريكا وإسرائيل خارج القانون الدولي، ويمنح روسيا والصين ذريعة لإستخدام أسلحتهم النووية في المستقبل.2️⃣. المانع العسكري؛القنبلة النووية الخارقة للتحصينات سلاح غير نظيف. والأنفجار تحت الأرض سيطلق إشعاعات، ويقتل الكثير من مدنيين، وقد يلوث المياه الجوفية في وسط إيران لعقود. كما أن تدمير الجبال لا يعني تدمير المعرفة النووية الإيرانية، التي أصبحت موزعة في عقول العلماء، وليست في مبنى واحد.3️⃣. المانع الإيراني؛الرد سيكون بلا حدود؛حذرت طهران بوضوح، حيث قال نائب إيراني إن أي هجوم أمريكي – إسرائيلي جديد سيقابل برد لا حدود جغرافية له، والصواريخ الإيرانية قادرة على الوصول إلى أوروبا، وسعر النفط قد يتجاوز 150 دولاراً للبرميل الواحد.كما أكد المرشد الإيراني السيد مجتبى الخامنئي أن الرد لن يكون محدود بحجم الهجوم أو مكانه.4️⃣. المانع الإقليمي؛حلفاء أمريكا في الخليج حذروا من ضربات جديدة، معتبرين أنها قد تزعزع الإستقرار الأقليمي. فأي ضربة نووية ستجعل القواعد الأمريكية في الخليج هدفاً مباشراً لطهران، وتغلق مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من نفط العالم.5️⃣. المانع الداخلي الأمريكي؛داخل البنتاغون نفسه، وصف السيناتور الديمقراطي كريس مورفي خطط الهجوم بأنها ضرب من الجنون، بعد إطلاعه على إحاطة عسكرية. والرأي العام الأمريكي، الذي تعب من حروب الشرق الأوسط، لن يقبل أن تتحول أمريكا من دولة تدعي الدفاع عن الديمقراطية إلى أول دولة تستخدم السلاح النووي منذ 81 عاماً.سادساً: ما هي النتيجة الأكثر ترجيحاً؟التحليل العقلاني يقول:الضربة النووية، أحتمالها منخفض لكنها ليست مستحيلة، لأن القرار فيها بيد شخص واحد، ولأن منطق الزعيم الجريح الذي يريد إثبات نفسه قد يدفع إلى خطوات غير عقلانية.الضربة التقليدية الواسعة، أحتمالها متوسط تحديداً إذا فشلت المفاوضات عبر الوسطاء القطريين.العودة إلى التفاوض مع التهديد العسكري، أحتمالها مرتفع وهو ما يريده جزء من الإدارة الأمريكية، التي ترى أن الهدف هو إتفاق كأفضل الحلول.▪️الخاتمة:الحديث عن ضرب إيران بالنووي ليس مجرد إشاعة. هو انعكاس لأزمة حقيقية، لأن البرنامج النووي الإيراني غامض، والزعيمان الجريحان في مأزق، وأسلحتهم التقليدية عاجز عن اختراق التحصينات الأيرانية.لكن التاريخ يعلمنا أن السلاح النووي لم يُستخدم منذ 1945، ليس لأنه غير موجود، بل لأن كلفته أكبر من أي مكسب عسكري. فمن يستخدمه أولاً، يخسر الشرعية، ويخسر الحلفاء، ويفتح باباً لا يمكن إغلاقه ابدأ.إيران اليوم ليست هدفاً سهلاً. وأي ضربة نووية، حتى لو كانت تكتيكية ومحدودة، ستتحول في ساعات إلى حرب إقليمية، وأزمة طاقة عالمية، وإنهيار لنظام يروح لمنع الإنتشار النووي حفاظاً على العالم من الكوارث النووية منذ أكثر من 80 عاماً.لهذا، فإن من المرجح أن لا تحمل واشنطن نفسها وز كسر المحرم النووي، وخاصة بعد فوز الديمقراطيين بأغلبية الكونغرس الأمريكي.وبكيف الله.

اترك تعليقاً