ما الذي لا تبنيه المدرسة؟

ما الذي لا تبنيه المدرسة؟ما الذي تفعله الدولة حين تقلّص الإنفاق على التعليم؟ هل توفر المال فعلًا، أم تؤجل دفعه في صورة أكثر قسوة وكلفة؟ وهل يمكن لمجتمع أن يطلب الأمن من أجهزته العقابية، فيما يترك المدرسة، التي تصنع الوعي وتوسّع فرص الحياة، في الهامش؟ليست هذه الأسئلة ترفًا نظريًا؛ فاختيارات الدولة في التعليم تكشف تصورها للأمن والإنسان معًا. والدولة التي ترى التعليم بندًا قابلًا للتقليص قد تجد نفسها، بعد سنوات، تنفق على السجون والمحاكم والرقابة أكثر مما كان يلزم لبناء مدرسة جيدة، وتأهيل معلم كفء، وإتاحة فرصة عادلة لطفل ينشأ على هامش المجتمع.تُنسب إلى فيكتور هوغو، الأديب والمفكر الفرنسي، عبارة ذائعة تقول: «من يفتح باب مدرسة، يغلق باب سجن». وسواء وردت العبارة بهذه الصيغة أو تناقلتها الذاكرة في صيغ قريبة، فإن قيمتها لا تكمن في بلاغتها وحدها، بل في البصيرة الاجتماعية التي تحملها: فما يُبنى في المدرسة قد يغني المجتمع عن كثير مما يضطر إلى بنائه في منظومة العقاب.لم يكن هوغو ينظر إلى الجهل بوصفه نقصًا في المعلومات فحسب، بل بوصفه قوة تدفع الإنسان نحو الهشاشة: هشاشة الفرص والدخل والقدرة على الاختيار. وحين يقترن الجهل بالفقر والتهميش وانسداد الأفق، قد يلجأ بعض الأفراد إلى سلوكيات مخالفة للقانون بوصفها مخارج للبقاء أو للتمرد على واقع مغلق.ولا يعني ذلك أن الجريمة نتيجة آلية لغياب التعليم؛ فهي ظاهرة مركبة تتداخل فيها البطالة والتفاوت الاجتماعي والتفكك الأسري والعوامل النفسية والثقافية. غير أن التعليم يظل من أقوى أدوات الوقاية؛ لأنه يرفع المهارة، ويوسّع الخيارات، ويمنح الفرد طريقًا مشروعًا إلى العمل والمشاركة والاعتراف.والتعليم، في معناه الأعمق، ليس تلقينًا للمعلومات ولا إعدادًا لسوق العمل وحده. إنه تدريب على التفكير، وعلى التمييز بين الحق والباطل، وعلى فهم القانون بوصفه حماية مشتركة لا قيدًا مفروضًا. وهو، حين يرتبط بالعلم والبحث والنقد، يبني قدرة المجتمع على حل مشكلاته بدل تحويلها إلى أزمات متراكمة.التعليم لا يمنح الإنسان معرفة فحسب، بل يمنحه طريقًا أكرم للحياة، ويهيئه للمشاركة في بناء حضارته. فالمجتمع المتعلم لا يكتفي بإنتاج الخبراء، بل يصنع مواطنين قادرين على مساءلة السلطة، ومقاومة التضليل، وتحويل المعرفة إلى منفعة عامة. ومن هنا لا يكون التعليم منفصلًا عن الحضارة، بل أحد شروط قيامها واستمرارها؛ إذ لا تُبنى الحضارات بالموارد وحدها، وإنما بالعقول التي تعرف كيف تستخدمها، وبالقيم التي تمنع القوة من التحول إلى استبداد.أما حين ينفصل العلم عن القيم، فقد يتحول إلى مهارة باردة تخدم القوة أكثر مما تخدم الإنسان؛ لذلك لا بد أن يصاحب المعرفةَ بناءُ الضمير والمسؤولية واحترام كرامة الآخرين. فالعلم الذي لا يهذبه الوعي الأخلاقي قد يضاعف قدرة الإنسان على السيطرة، من دون أن يزيد قدرته على الرحمة أو العدل.هنا يتضح الفرق بين الوقاية والعقاب. فالسجن يتعامل غالبًا مع النتيجة بعد وقوعها، بينما يتوجه التعليم إلى الشروط التي قد تنتج الجريمة قبل وقوعها. الأول يعزل، والثاني يفتح إمكانًا؛ الأول يطارد الأثر، والثاني يحاول إصلاح الجذر.وليس المقصود إلغاء القانون أو التقليل من مسؤولية الجاني، بل إدراك أن العدالة لا تكتمل بالعقوبة وحدها، وأن الأمن المستدام لا تصنعه القضبان فقط. إن المدرسة لا تمنح الفرد معرفة فحسب؛ إنها تمنحه لغة يفهم بها العالم، ومهارة يواجه بها الحياة، وأملًا يحول دون سقوطه في اليأس.لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم يكلفنا التعليم؟ بل: كم سيكلفنا إهماله؟ فكل مدرسة تُبنى بجدية ليست مبنى إضافيًا في المدينة، بل احتمالًا أقل للعنف، وفرصة أوسع للكرامة، واستثمارًا طويل الأمد في أمن المجتمع. وكل مدرسة تُبنى اليوم قد تختصر على المجتمع سجنًا يُبنى غدًا. وما لا تنفقه الدولة اليوم على العلم والمعرفة، قد تضطر غدًا إلى إنفاق أضعافه على معالجة نتائج الجهل.زينب طارق العراق

اترك تعليقاً