حين يعود الموت مع أصوات الفرح

بقلم/ حسين الأسدي

حلمت ذات ليلة …
انتهت الحرب أخيراً …
هكذا قالت المذيعات بوجوه متعبة وهكذا صرخ الناس في الشوارع وهكذا امتلأت السماء بالهتافات والرصاص.
وفي مكان ما كان جندي شاب يجلس على حافة شاحنة عسكرية عائدة إلى المدينة يحدق بصمت في الطرقات التي عبرها مراراً نحو الموت لكنه هذه المرة كان يعبرها نحو الحياة.
كان يحمل في جيبه صورة قديمة لأمه ورسالة صغيرة لم يقرأها منذ أشهر خوفًا من الحنين.
كان يحلم أن يعود فقط… أن يخلع بدلته العسكرية أن ينام ليلة كاملة بلا أصوات انفجارات أن يشرب الشاي مع أبيه وأن يضحك مع أطفاله الذين كبروا وهو يقاتل.
لقد نجا من الحرب.
نجا من القصف ومن القناصين ومن الجوع والخوف والبرد الطويل في الخنادق.
رأى الموت بعينيه عشرات المرات، لكنه في كل مرة كان ينجو بمعجزة صغيرة وكأن الحياة كانت تؤجّل موعده الأخير.
في تلك الليلة، كانت المدينة تحتفل بانتهاء الحرب كأنها استعادت روحها المسروقة.
الأغاني تصدح من السيارات والأعلام ترتفع من النوافذ والرصاص يعلو أكثر من أصوات البشر.
أحدهم رفع سلاحه نحو السماء وأطلق دفعة طويلة من الرصاص احتفالًا…….
لم يكن يعرف أن الرصاص حين يصعد لا يختفي… بل يعود باحثاً عن قلبٍ ما.
وفي لحظة خاطفة سقط الجندي على الأرض!!!!
لم يفهم أحد ما حدث أول الأمر.
الناس كانوا يصرخون فرحاً بينما كانت أمه تصرخ رعباً وهي تركض نحوه.
كان الدم ينزف ببطء من صدره وكانت عيناه معلقتين في السماء التي نجا من حربها لكنها قتلته في السلام.
يا لها من سخرية قاسية وياله من حظ …
أن يموت إنسان بعد انتهاء الحرب لا برصاصة عدو بل برصاصة احتفال.
أن يعود الجندي حياً من الجبهة ثم يسقط وسط مدينته التي خرجت لتستقبله.
في تلك اللحظة لم تعد أصوات الفرح تُشبه الفرح.
تحولت الزغاريد إلى بكاء والأغاني إلى صمت ثقيل والرصاص إلى لعنة.
الحروب لا تترك الموت في ساحات القتال فقط بل تزرعه أحياناً في عقول الناس أيضاً.
فبعض البشر يظنون أن إطلاق النار طقس للفرح بينما هو في الحقيقة إعلان جديد عن الاستهانة بالحياة.
الرصاصة الطائشة لا تعرف معنى النصر ولا تميّز بين جندي وطفل بين أم تنتظر ابنها أو أب يحلم بالعودة إلى بيته.
هي فقط تسقط… وتحمل معها روحاً بريئة أخرى.
ذلك الجندي لم يكن يريد شيئاً عظيماً.
لم يكن يحلم بوسام أو خطاب تكريم.
كان يريد فقط أن يعيش.
لكن الحرب التي فشلَت في قتله تركت له رصاصة أخيرة تنتظره في ليلة السلام…..
لا ول الحظ ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *