الدولار يكسر عظم الدينار: قرارات “متأخرة” تفتح “أبواب الجحيم” على جيوب العراقيين

في بلد يبيع نفطه بالدولار ويدفع رواتب مواطنيه بالدينار، تكفي أي قفزة في سعر الصرف الموازي كي تهزّ ميزانيات العوائل والتجّار معًا. خلال اليومين أو الثلاثة الماضية، عاد الدولار ليرتفع في السوق الموازي في العراق ليصل قرابة 150 الفا لكل 100 دولار، بينما بقي السعر الرسمي ثابتًا عند 1320 دينارًا لكل دولار واحد، بحسب نشرات البنك المركزي وتعليماته الأخيرة للمصارف.

الخبير الاقتصادي ناصر الكناني يلخّص الصورة من زاوية الداخل العراقي لـوكالة سناالاخبارية بقوله إنّ “الارتفاع الحالي لا يُعدّ مفاجئًا، بل هو نتيجة طبيعية لتراكم عدّة عوامل في مقدّمتها زيادة الطلب على الدولار من قبل التجّار، بالتزامن مع تطبيق نظام أتمتة الگمارك، الذي فرض واقعًا جديدًا على عمليات الاستيراد والتخليص الجمركي”. بهذه الجملة القصيرة، يربط الكناني بين قرار إصلاحي في الظاهر، وبين موجة سعرية في سوق الهامش.

سعران لعملة واحدة
على الورق، يعتمد العراق نظام ربط تقليدي؛ سعر رسمي ثابت يحدّده البنك المركزي عند 1320 دينارًا لكل دولار، مدعومًا باحتياطيات أجنبية كبيرة وتضخّم سنوي متدنٍّ نسبيًا بحدود 2–3 في المئة، وفق بيانات المصرف المركزي والتقارير الدولية.

لكن عمليًا، توجد عملتان في جيب العراقي:

دولار يُباع ويُشترى بسعر رسمي عبر المصارف والمصارف المراسلة، ضمن نظام تحويلات يخضع لرقابة أمريكية ودولية مشدّدة.

ودولار آخر يُتداول في السوق الموازي عند مستويات أعلى من الرسمي بآلاف الدنانير لكل 100 دولار، كما تظهره نشرات الصيرفة الدورية في بغداد والبصرة وأربيل.

الفجوة بين السعرين ليست جديدة؛ تقارير اقتصادية خلال عامي 2024 و2025 رصدت مرارًا فرقًا يصل إلى 10–15 ألف دينار لكل 100 دولار بين السعرين، وربطته بسياسة “إزالة الدولرة” والقيود الأمريكية على التحويلات المصرفية، ما خلق طلبًا دائمًا على الدولار خارج القنوات الرسمية.

في هذه البيئة، أي تعديل بسيط في قواعد الوصول إلى الدولار الرسمي، أو في نظام الگمارك والضرائب، ينعكس مضاعفًا في السوق الموازي.

أتمتة الگمارك: إصلاح مالي بطعم صدمة نقدية
من زاوية المالية العامة، تبدو أتمتة الگمارك خطوة ضرورية: ربط إلكتروني للمنافذ، توحيد الإجراءات، تقليص التهريب، ورفع الإيرادات غير النفطية، وهي مطالب كرّرها الشركاء الماليون للعراق في مراجعاتهم الأخيرة.

لكن من زاوية السوق، تحمل المرحلة الانتقالية كلفة نقدية واضحة:

تجّار صغار ومتوسّطون لم يهيّئوا حسابات نظامية وفواتير منضبطة تتوافق مع متطلبات النظام الجديد، فوجدوا أنفسهم أمام استيرادات قائمة، والتزامات بالدولار، ونظام مصرفي أكثر تشدّدًا.

بالتوازي، تحوّل كثير من الطلب الحقيقي على الدولار إلى “طلب عاجل” على النقد الكاش بدلًا من الحوالات المصرفية، لأنّ التاجر يريد تأمين بضاعته أولًا ثم تسوية أوراقه لاحقًا، ما يدفعه نحو السوق الموازي.

هنا تظهر المفارقة: الإصلاح الإداري يهدف إلى سدّ ثغرات الفساد والتهريب، لكن من دون “مرحلة انتقال ناعمة” يصبح هو نفسه محفّزًا لموجة مضاربة قصيرة، تستغلّها الفئات الأكثر قدرة على الحركة والسيولة والمعلومة.

ضغط خارجي وبنية داخلية هشّة
ما يحدث في سوق الدولار العراقي لا يمكن فصله عن سياق أوسع:

منذ مطلع 2025، بدأ العراق يطبّق بصورة أوسع آلية تحويلات تعتمد على المصارف المراسلة، مع تدقيق مستمر على استخدامات العملة الصعبة، استجابةً لمتطلبات الامتثال المالي.

في المقابل، لا يزال القطاع المصرفي المحلي يعاني محدودية الثقة، وتركّزًا في القروض، ونسبة عالية من الاقتصاد النقدي خارج الجهاز المصرفي.

نتيجة ذلك توليد ما يشبه “القيد الخارجي” على الاقتصاد: الدولار موجود بكميات مريحة في الاحتياطيات، لكن طريق الوصول إليه يمرّ عبر شبكة من الشروط التنظيمية والامتثال، ما يجعل سعره على الورق مختلفًا عن سعره في الشارع.

تحليلات اقتصادية حديثة وصفت الفجوة بين السعرين بأنّها “ضريبة خفية” يدفعها اقتصاد يعتمد على الاستيراد؛ إذ يتحوّل جزء من ريع النفط إلى أرباح لمجموعات محدودة تستطيع الوصول إلى الدولار الرسمي، ثم إعادة بيعه أو تدويره في السوق الموازي.

من البورصة إلى السوق: كيف تنتقل الصدمة إلى المواطن؟
حتى الآن، تصرّ المستويات الرسمية على أنّ “التقلّبات في السوق الموازي لا تحمل أثرًا اقتصاديًا كبيرًا”، مستندة إلى أرقام تضخّم منخفضة ونمو مستقر نسبيًا في 2025.

اقتصاديًا، الصورة أكثر تعقيدًا:

العراق يستورد جزءًا كبيرًا من غذائه ودوائه ومواده الإنشائية بالدولار.

حين يشتري التاجر جزءًا من دولاراته من السوق الموازي، ينعكس ذلك تدريجيًا في سعر السلعة، حتى لو تمّ تسعيرها بالدينار.

الطبقة الوسطى والشرائح الفقيرة لا تملك سوى الدينار، لكنها تدفع فاتورة سلعة تُستورد مدخلاتها أو جزء من تكاليفها بالدولار.

إذا استمرّت الفجوة بين السعر الرسمي والموازي عند مستوياتها الحالية أو توسّعت، فإنّ التضخّم “الكامن” في سلسلة التوريد قد يظهر بصورة أوضح في موجات لاحقة، خصوصًا إذا تزامن مع موازنات توسّعية أو صدمات نفطية أو سياسية جديدة.

ما الذي تحتاجه السياسة الاقتصادية الآن؟
من منظور اقتصادي، السؤال ليس فقط: لماذا ارتفع الدولار في يومين؟ بل: لماذا تبقى كل خطوة إصلاحية مرتبطة بموجة سعرية في السوق الموازي؟

الإجابة تمرّ عبر ثلاثة مسارات متوازية:

إدارة الانتقال: أي إصلاح في الگمارك أو المنصّات يجب أن يقترن بخطة زمنية واضحة، وتدرّج في التطبيق، وتواصل مباشر مع شرائح التجّار، بحيث لا تتحوّل الفترة الانتقالية إلى صدمة نقدية تغذّي المضاربة.

تكامل السياسة النقدية والمالية: قدرة البنك المركزي على تثبيت السعر الرسمي تعتمد في النهاية على انضباط الإنفاق العام وحجم العجز. موازنات توسّعية بلا إصلاحات هيكلية تعني طلبًا أعلى على الاستيراد، وبالتالي ضغطًا متكررًا على السوق الموازي مهما كانت إجراءات الامتثال صارمة.

شفافية المعلومات: حين يصف المسؤولون ما يجري بأنّه “ضوضاء” في السوق، يحتاج المواطن والتاجر إلى رؤية الأرقام المفصّلة: حجم مبيعات المنصّة، نسب الطلب المرفوض، أثر كل حزمة إجراءات على الفجوة بين السعرين. غياب هذه الشفافية يترك مساحة واسعة للإشاعة، وهي الوقود المفضّل لسوق غير منظم.

في المحصّلة، لا تكمن المشكلة في بضعة آلاف دينار تُضاف إلى سعر 100 دولار في بورصة الكفاح، بل في طريقة عبور العراق من بوابة الإصلاح المالي والنقدي من دون أن تتحوّل كل خطوة إلى موجة قلق جديدة في جيوب المواطنين. فالمعيار الحقيقي لجدوى السياسات ليس ما يُكتب في نشرات البنك المركزي اليومية، بل ما يراه العراقي مباشرة في سعر الخبز والدواء والإيجار عند نهاية كل شهر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *