“بانتظار العاصفة”.. بغداد تترقب ارتدادات احتجاجات إيران وتحذيرات من “السيناريو الأسود”

تبدو إيران، في الأيّام الأخيرة من عام 2025، وكأنّها تقترب من عتبة غليان واسعة. العملة الوطنية تهبط إلى أدنى مستوياتها التاريخية، مع اقتراب سعر الدولار من حدود 1.4 مليون ريال في السوق المفتوحة، فيما يقف التضخّم عند مستويات تتجاوز 42 في المئة، وتغلق محالّ في بازار طهران أبوابها ضمن إضرابات تمتدّ تدريجياً إلى مدن أخرى، في مشهد يُعدّ الأوسع منذ احتجاجات مهسا أميني عام 2022. في الخلفية، تشتدّ قبضة العقوبات الاقتصادية؛ ضغوط أمريكية متراكمة، وتفعيل آليات سناب باك الأوروبية، إضافة إلى آثار الحرب الأخيرة مع إسرائيل، لتتداخل عوامل الحصار مع مشكلات الفساد وسوء الإدارة، على حساب القدرة الشرائية لملايين الإيرانيين.

بالنسبة إلى بغداد، لا يمكن النظر إلى ما يجري على أنّه مشهد داخلي بحت في دولة مجاورة. العراق متشابك اقتصادياً وسياسياً مع إيران، وأيّ اهتزاز كبير في طهران غالباً ما يترك بصماته على أسواق بغداد والنجف والبصرة، وعلى مزاج الشارع أيضاً، حتى لو لم تظهر الانعكاسات فوراً.

من انهيار العملة إلى احتجاجات البازار

المشهد الإيراني الحالي تبدأ حكايته من العملة. الريال خسر خلال أشهر جزءاً كبيراً من قيمته أمام الدولار، في مسار متسارع لا يوازيه تحسّن في الأجور أو فرص العمل. أسعار السلع الأساسية تقفز يومياً تقريباً، والذهب يتحوّل إلى ملاذ للفئات القادرة، بينما تتآكل رواتب الموظفين والشرائح الوسطى والفقيرة. عند هذه النقطة تحوّل الضيق الصامت إلى إضراب، ثم إلى احتجاج في قلب الأسواق القديمة التي لطالما اعتُبرت إحدى ركائز استقرار النظام.

تجار البازار، الذين كان يُفترض أن يشكّلوا قاعدة اجتماعية حذرة من المغامرة، أغلقوا محالّهم، وانضمّ إليهم محتجّون من فئات أخرى. بدأت الشعارات بحدود الاقتصاد؛ سعر الصرف، التضخّم، الغلاء، ثم أخذت تمسّ ملفات أوسع، خصوصاً كلفة التدخّل في ساحات خارجية في وقت يعجز فيه المواطن عن تأمين متطلبات المعيشة اليومية.

الرئيس مسعود بزشكيان حاول أن يتعامل مع المشهد بنبرة مختلفة عن حكومات سبقت. استقال محافظ البنك المركزي، وجرى الحديث عن مراجعة سياسات مالية وضريبية، مع وعود بالاستماع إلى ما سُمّي “مطالب مشروعة”. لكنّ هذه الخطوات حتى الآن تبدو أقرب إلى تحرّكات إسعافية تسعى إلى امتصاص غضب الشارع، من كونها خطة إنقاذ متكاملة لاقتصاد يعاني من حصار، ومن اختلالات عميقة متراكمة منذ سنوات.

احتجاج اقتصادي بسقف سياسي مفتوح

المحلل السياسي إحسان الشمّري يرى أنّ ما يجري في إيران لم يكن مفاجئاً. يقول في حديث لـ”بغداد اليوم” إنّ ما يحصل هناك “متوقّع، خصوصاً في ظلّ ضغط العقوبات الاقتصادية أولاً الأمريكية وثانياً عقوبات سناب باك الأوروبية”، مشيراً إلى أنّ السلطات “لم تقدّم حتى الآن معالجة حقيقية لانهيار العملة أو للأزمة المعيشية”.

يوضح الشمّري أنّ احتجاجات البازار “بدأت بطابع اقتصادي، لكنها الآن تتطوّر، وهناك شعارات رافضة للتدخّلات الإيرانية في لبنان وفي سوريا سابقاً، وفي العراق، وحتى في اليمن”. من وجهة نظره، المطالب تصعد تدريجياً “من سؤال الإصلاح الاقتصادي إلى محاولة الضغط باتجاه تغيير سلوك السياسة الخارجية لإيران، أو على الأقل تعديل مسارها”.

وعن مستقبل حكومة بزشكيان، يذهب الشمّري إلى أنّ “فشل الحكومة في وضع خطة واضحة لإنقاذ الاقتصاد والعملة سيجعل انهيارها احتمالاً وارداً جداً، وقد يتحوّل ذلك إلى وسيلة لامتصاص نقمة الشارع الإيراني من دون المساس بجوهر بنية النظام في هذه المرحلة”.

حدود تأثير الاحتجاجات الإيرانية على الداخل العراقي

السؤال الذي يفرض نفسه في بغداد: إلى أي مدى يمكن أن تنتقل ارتدادات ما يجري في إيران إلى الداخل العراقي؟ الشمّري يقدّم هنا تفريقاً واضحاً. فهو يعتقد أنّ ما يحدث “قد لا ينعكس تلقائياً وبشكل مباشر على العراق، إلا في حالة واحدة تقريباً؛ إذا وصلت الأزمة في إيران إلى مستوى انهيار اقتصادي يعرقل قدرة الحكومة على تأمين الرواتب أو أساسيات الحياة هناك، عندها نتحدّث عن مشهد مختلف تماماً داخل إيران نفسها”.

أمّا في العراق، فيربط الشمّري احتمالات عودة التظاهرات أولاً بطبيعة القرارات الاقتصادية داخل بغداد، أكثر مما يربطها بمشهد طهران. يوضح أنّ “القدرة على وقف الانهيار الاقتصادي في العراق، وضبط سوق العملة، وتجنّب قرارات قاسية تمسّ الرواتب أو لقمة العيش، ستكون عاملاً حاسماً في تقليل احتمالات خروج الشارع بدوافع معيشية”. في المقابل، “إذا تعرّض العراق لعقوبات أمريكية جديدة تؤثّر على اقتصاده، أو اتُّخذت خطوات مالية خاطئة، فسينعكس ذلك بصورة كبيرة جداً على الشارع، وقد يدفع نحو تظاهرات مطلبية واسعة للضغط باتجاه إصلاح الأوضاع الاقتصادية”.

ويضيف الشمّري أنّ أيّ موجة احتجاج اقتصادياً “لن تبقى محصورة في الجانب المعيشي”، مرجّحاً أن تتداخل معها مطالب “إصلاح العملية السياسية”، وهو مطلب يقول إنّه “يكاد يكون محلّ اتفاق عند جزء كبير من القوى السياسية، وعند قوى معارضة تتشكّل داخل العراق”.

ما بعد طهران: احتمالات أبعد تمتد إلى بغداد وبيروت

في ما يخصّ انتقال الاحتجاجات إلى لبنان، لا يرى الشمّري رابطاً مباشراً بالضرورة بين ما يجري الآن في إيران وبين ما يمكن أن يحدث في بيروت في المدى القريب، لكنه يفتح الباب على سيناريو أوسع: “إذا انهار النظام في إيران، قد نكون أمام مشهد جديد تماماً في العراق ولبنان معاً، لأنّ وجود حلفاء لطهران في هاتين الساحتين سيدفع قوى مناهضة لإيران إلى التحرّك بصورة مختلفة وجذرية”.

بالنسبة إلى العراق، يلفت الشمّري إلى أنّ تأثير ما يحدث في إيران سيظلّ، في المدى القصير، أقرب إلى ضغط غير مباشر من كونه موجة عدوى آلية. فكلّما تمكّنت بغداد من تحييد اقتصادها عن أعنف ارتدادات الانهيار الإيراني، من خلال تنويع مصادر الطاقة، وضبط التعامل المالي مع طهران، والابتعاد عن خيارات تستفزّ العقوبات، زادت فرص عبور هذه المرحلة بأقلّ كلفة. أمّا إذا تراكمت الأخطاء الداخلية مع الضغوط الخارجية، فإنّ المشهد الاجتماعي قد ينفجر بدوافع اقتصادية، ثم يتحوّل تدريجياً إلى مسار أوسع يرفع شعار إصلاح البنية السياسية نفسها.

بين الفرصة والارتداد

في المحصلة، ما يجري في إيران اليوم لا يمكن فصله عن العراق، لكنّه لا يحكم مصير الشارع العراقي بشكل آلي أيضاً. العراق يقف أمام هامش يمكن أن يتحوّل إلى فرصة لإعادة ترتيب علاقاته وسياساته الاقتصادية، إذا استُثمر انشغال طهران بأزمتها الداخلية لإعادة التوازن في القرار العراقي. وفي الوقت نفسه، أيّ انهيار إضافي في المنطقة، سواء عبر عقوبات جديدة أو اضطراب في ملفّ الطاقة أو هزّة نقدية داخلية، قد يجعل من الاحتجاجات الإيرانية عاملاً مساعداً في إشعال غضب عراقي جديد، هذه المرّة تحت شعارات معيشية في ظاهرها، وسياسية في عمقها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *