مسلسل ليل البنفسج،،حين تختار الدراما لغتها، فهي لا تختار وسيلة تواصل فحسب، بل تحدد موقعها من الوعي الجمعي

.دردشة مع الفنان الرائد د. عزيز جبرالساعدي
في ليل البنفسج

بعيدا عن التمثيل الجميل والإخراج المقنع..في ليل البنفسج اخراج علي فاضل…
بين التصفيق والمسؤولية الجمالية والفكرية؟ ماذا يقول دكتور عزيز؟
ليس كل تصفيقٍ دليلَ اكتمال، ثمة أعمال درامية تنجح في استثارة العاطفة، فتملأ الفضاء بالمديح، لكنها تترك في ذهن الناقد سؤالًا معلّقًا: ماذا بعد الانفعال؟
حقق ليل البنفسج حضورًا جماهيريًا لافتًا، لأنّه خاطب الناس بلغتهم اليومية، واستعاد حقبة زمنية مألوفة في الذاكرة الاجتماعية، حيث تسود القبلية على حساب القانون، وتتحرك الشخصيات بدافع العصبية أكثر من الاحتكام إلى العقل. لقد قدّم صورة واقعية تكاد تكون فوتوغرافية؛ صادقة، مباشرة، وخالية من التجميل.
غير أن الواقعية، حين تُنقل كما هي دون تهذيب جمالي، قد تتحول من فعل كشفٍ إلى إعادة إنتاج. الفن ليس ملزمًا بتلميع الواقع، لكنه معنيٌّ بتفكيكه، بإعادة صياغته، وبإضاءة المساحات التي يمكن أن تُفضي إلى الوعي.
إنّ الغالبية التي صفّقت للعمل إنما صفّقت لأنها رأت نفسها، سمعت مفرداتها، وعاشت انفعالاتها.اليومية، لكن السؤال النقدي الأعمق: هل أُضيف إلى وعيها شيء؟ هل رأت نموذجًا إنسانيًا بديلًا داخل البيئة ذاتها؟ شخصية تكسر نسق الثأر، تحتكم إلى القانون، تنتصر للحوار بدل الغلبة؟
الدراما التنويرية لا تأتي بخطابٍ وعظي من خارج المجتمع، بل تستخرج من داخله بذورًا مضيئة. كان يمكن للعمل، وهو يستحضر قسوة الحقبة، أن يمنحنا مواقف إنسانية تُعيد ترتيب القيم، لا أن يكتفي بعرض الصراع في حدوده الغريزية. فالفن مسؤول عن الارتقاء بالذائقة، لا مهادنتها.
لسنا ضد الواقعية، بل ضد استسلامها لحدودها الدنيا. نريد واقعية تكشف القبح لتقترح نقيضه، لا لتجعله قدرًا محتومًا. فبين العمل الذي يُصفَّق له، والعمل الذي يُخلِّد أثره، مسافة اسمها “المسؤولية الجمالية والارتقاء بها”.
وحين ينطفئ التصفيق، يبقى السؤال: هل خرج المتلقي من المشاهدة كما دخل، أم ارتقى خطوة في وعيه؟ تحية لجرأة الكاتب الركابي ومن معه في التأليف،وتحية كبيرة للجهود الكبيرة لطاقم المسلسل في انجاز مشروع قد يستمر بواقعية مهذبة بافكار ترتقي بالذائقة فكريا ،تحية خاصة لجهود المخرج علي فاضل وهو يرسم ملامح عمل تلفزيوني مشاكس وفيه وجهة نظر ،هذا اولا..ثم نقول
في مسلسل ليل البنفسج
بدت العامية لا بوصفها أداة تجسيد للبيئة، بل باعتبارها خيارًا كاملاً في بناء الرؤية. هنا يبرز السؤال: هل كانت العامية ضرورة فنية أم استجابة مباشرة لذائقة جمهور يُستثار بالعاطفة أكثر مما يُستفز بالتفكير؟
ج:الواقعية التي قدمها العمل تكاد تكون فوتوغرافية؛ صورة قاسية، مباشرة، تكشف مجتمعًا تحكمه القبلية أكثر مما يحتكم إلى القانون. غير أن الواقعية حين تُنقل بلا تهذيب جمالي، قد تتحول من كشفٍ نقدي إلى إعادة إنتاج للواقع ذاته. الفن لا يُطالب بتجميل القبح، لكنه مطالب بتفكيكه، بإضاءته، لا بتكريسه.
في بعض المشاهد، بدا الصراع وكأنه صراع غرائز لا صراع أفكار. الشخصيات تتحرك بدوافع آنية، بردود فعل منفعلة، دون عمق فكري يمنحها بعدًا إنسانيًا أوسع. وهنا يظهر خلل في المعادلة كان يمكن للإخراج أن يمنح اللحظة مسافة تأمل، أن يضع المتلقي أمام مرآة نقدية لا مجرد مرآة عاكسة.
الدراما، يا دكتور عزيز، وأنت ابن المسرح الذي يؤمن بأن الفن تربية للذائقة قبل أن يكون تسلية، ليست مهمتها أن تنسحب خلف الجمهور، بل أن ترتقي به. حين تُخاطب العملة السهلة في العاطفة، فإنه يربح التفاعل السريع، لكنه قد يخسر الأثر العميق.
يبقى السؤال الجوهري:
هل كشف ليل البنفسج واقعًا قبليًا متفشيًا؟ نعم.
لكن هل قدم أفقًا لتجاوزه؟ هنا يكمن الفراغ.
بين الواقعية والتهذيب الفني مساحة اسمها “المسؤولية الجمالية”. وكل عمل درامي يُقاس بقدرته على تحويل الألم إلى وعي، لا إلى مجرد صدى للألم.
كل الشكر لك دكتورنا الغالي..عزيز جبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *