هيئة التحرير/ وكالة سنا الاخبارية
يقضي آلاف العاملين وموظفي الدخل المحدود ساعات طويلة يومياً عالقين في الازدحامات المرورية، ما يحول الطريق إلى عبء اقتصادي ونفسي واجتماعي؛ حيث الوقت الضائع في التنقل، والتكاليف المتزايدة للوقود والمواصلات، والخصومات المالية الناتجة عن التأخير، لا تفرض فقط ضغوطاً على المواطن العادي، بل تكشف الفجوة الطبقية بوضوح؛ حيث يستطيع أصحاب المال تجاوز الأزمة بسهولة بفضل سياراتهم ومواقفهم الخاصة وامتيازاتهم في التنقل.
تقول هدى أكثم، موظفة في قسم التسويق بإحدى الشركات الخاصة، إن “أجر الذهاب للعمل والعودة يومياً في أوقات الذروة يكلفني بين 10 إلى 15 ألف دينار يومياً، أي ما يعادل من 260 إلى 390 ألف دينار شهرياً تقريباً”، مشيرة إلى أن هذه النفقات تكاد تعادل نصف راتبها الشهري. وتشير إلى أن بعض زميلاتها يدفعن مبالغ تصل إلى 500 أو 600 ألف دينار شهرياً، وهو ما يضاعف العبء المالي على تغطية نفقتنا الشهرية الأساسية.
وتوضح هدى أن التأخير الناتج عن الازدحام أو حوادث الطريق، أو بسبب قطع الطريق لمرور مسؤول، يؤدي إلى خصم مالي إضافي؛ حيث تصل قيمة الخصم إلى 50 ألف دينار عن كل ساعة ضائعة، وقد تتضاعف لتصل إلى 100 ألف حسب راتب الموظف. تفكر فاطمة كثيراً في البحث عن وظيفة أقرب إلى منزلها لتكون أكثر إنتاجية ولتجنب هذه النفقات الإضافية، لكنها تواجه تحدياً أساسياً، إذ تفتقر منطقتها إلى فرص عمل كافية، ما يجعلها مضطرة للتنقل يومياً ضمن ازدحامات.
“ضرائب غير مباشرة”!
يرى الاقتصادي عبد الله نجم أن الوقت الضائع في الازدحام يمثل خسارة اقتصادية حقيقية، حتى وإن لم يحتسب رسمياً ضمن المؤشرات التقليدية. ويقول إن “العامل الذي يقضي ساعتين إضافيتين يومياً في الطريق يخسر ما يقارب 60 ساعة شهرياً، أي ما يعادل أسبوع عمل كامل تقريباً. بالنسبة لذوي الدخل المحدود، هذه الساعات قد تعني فرص عمل إضافية ضائعة أو دخلاً يومياً مفقوداً”.
ويضيف لـ”وكالة سنا الاخبارية “، أن المشكلة لا تقتصر على الوقت فقط، بل تمتد إلى بنية الإنفاق الأسري. مثلاً الأسر محدودة الدخل قد تنفق نسبة أعلى من دخلها على المواصلات مقارنة بالأسر الأعلى دخلاً، لأن خياراتها أقل. هي غالباً تسكن في أطراف المدن حيث الإيجارات أرخص، لكن كلفة الوصول إلى مركز العمل مرتفعة ومتكررة”. ويشير إلى أن هذا الوضع يمكن اعتباره شكلاً من أشكال “الضريبة غير المباشرة”، إذ يتحمل الفقير عبئاً نسبياً أكبر مقابل خدمة نقل غير مستقرة أو غير كافية.
أما فيما يتعلق بفجوة اللامساواة، فيؤكد نجم أن الازدحام يعمق التفاوت داخل المدن. “الطبقات الأعلى دخلاً تمتلك مرونة أكبر؛ يمكنها السكن في مناطق قريبة من العمل، أو امتلاك سيارات خاصة، أو العمل بنظام مرن أو عن بُعد. هذه القدرة على تقليل الزمن الضائع تمنحها ميزة إنتاجية وصحية ونفسية”.
ويتابع أن “عدم تكافؤ الوصول إلى الوقت والخدمات يعيد إنتاج الفوارق الطبقية بطريقة غير مباشرة. من يملك المال يستطيع شراء الراحة والوقت، ومن لا يملكه يدفع من صحته وأعصابه وساعات عمره”.
يضيف نجم بالقول إن معالجة الازدحام يجب أن تُفهم كسياسة اقتصادية واجتماعية في آن واحد؛ لأن “تحسين النقل العام ليس ترفاً خدمياً، بل أداة لتقليل الفقر وتحقيق قدر أعلى من العدالة داخل المدن”.
في ذات السياق، يقول الاقتصادي عبد السلام حسن إن أزمة الازدحام في بغداد ليست مجرد مشكلة مرور عابرة، بل وجه من وجوه العدالة الاجتماعية المفقودة. فالمواطنون ذوو الدخل المحدود يتحملون عبء الوقت المهدور، النفقات المتزايدة، والضغط النفسي اليومي، بينما تمكن أصحاب المال من الالتفاف على الأزمة بسهولة، مستفيدين من امتيازاتهم ومواقع سكنهم المريحة وسياراتهم المتعددة.
ويكشف حسن عن هدر مالي يومي هائل يصل إلى أكثر من ثمانية مليارات دينار في دوائر الدولة، وهي أموال كان يمكن توجيهها لتحسين النقل، وفتح طرق جديدة، وتخفيف الضغط عن الفقراء، لكن إذا ذهبت إلى جيوب خاصة، فإن الطبقات الضعيفة تخسر، بينما يظل أصحاب المال يستفيدون من التفاوت بسهولة.
ويصف حسن الفارق بين الطبقات: “أصحاب المال يستطيعون التحرك بسهولة، يختصرون الوقت، يتجنبون الازدحام، لديهم امتيازات للدخول في الشوارع الخاصة، ويقللون التكاليف بفضل امتلاك السيارات واختيار أوقات التنقل بعناية، بينما المواطن العادي يدفع الثمن الأكبر، مادياً ونفسياً”.
ويتابع: “الازدحام أصبح كلفة حقيقية على الإنتاجية والصحة النفسية والفرص الاقتصادية للفئات محدودة الدخل، بينما توفر الطبقات الأعلى دخلاً الراحة والمرونة بسهولة”. ويشدد على أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تكون مجرد شعارات، بل تتطلب إعادة النظر في التخطيط الحضري وإدارة الموارد المالية بطريقة تجعل العدالة الاجتماعية جزءاً من الحلول العملية. فالوقت والراحة يجب أن يكونا متاحين لكل العراقيين، لا أن يظلوا امتيازاً طبقياً للأغنياء فقط.
ويشير حسن إلى المجمعات السكنية الحديثة حيث يقول هي “ليست للفقراء، أغلبها مملوك لمسؤولين وأصحاب مال يؤجرونه بمليارات شهرياً، بينما يضطر الفقراء للسكن في أطراف المدينة، بعيداً عن المدارس والخدمات، ما يضاعف الوقت الذي يقضونه في الطريق والتكاليف اليومية”. ويضيف: “إذا تعاملنا مع الفقير بشكل صحيح، فهو راضٍ بقسمته ويعيش في غرفة صغيرة يتحمل كل شيء، لكن الحلول موجودة ويمكن تنفيذها، لكنها تحتاج إلى شجاعة لتطبيقها”.
يخسر العمال نحو 100-150 ساعة سنوياً، وهو ما يعادل 2 إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لرئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان فاضل الغراوي؛ حيث أكد أن الازدحامات المرورية تؤثر بشكل مباشر على سوق العمل ومستوى الإنتاجية. فالعمال يقضون ساعات طويلة عالقين في الطريق بدل أن يكونوا منتجين.
يضيف الغراوي أن الازدحام يرفع نفقات الوقود والنقل والخدمات اللوجستية، ليشكل عبئاً إضافياً على الأفراد والشركات، وقد تصل التكلفة الاقتصادية السنوية إلى 1-2 مليار دولار بسبب الوقت المهدور والاستهلاك الزائد للبنية التحتية. ويؤكد أن بعض سكان بغداد يقضون أكثر من ثلاث ساعات يومياً في الطريق، ما يرفع التكاليف الفردية للنقل بنسبة تصل إلى 40%.
خلل التخطيط يعمق الفوارق الاجتماعية!
يعكس التنقل اليومي تفاوتاً واضحاً في الفرص والخدمات بين السكان؛ إذ تتحمل الفئات محدودة الدخل أعباء طويلة على الطرق ونقص وسائل النقل، بينما تستفيد الطبقات الأعلى دخلاً من مواقع سكنية مريحة وسيارات خاصة ومرونة في الوصول إلى العمل. يرى ليث علي، مختص في الطرق والجسور، أن الازدحام في المدن العراقية لم يعد مجرد مشكلة مرورية، بل أصبح انعكاساً واضحاً لخلل تخطيطي يعمق الفوارق الاجتماعية بين السكان.
ان التخطيط الحضري في أغلب المدن العراقية لم يُبنَ على مبدأ العدالة المكانية، بل توسعت المدن أفقياً من دون ربط فعال بشبكات نقل عام، ما دفع ذوي الدخل المحدود إلى السكن في الأطراف البعيدة حيث الإيجارات أقل، لكن كلفة الوصول إلى العمل والخدمات أصبحت أعلى بكثير، على عكس من يملكون الإمكانية المادية الذين أصبحوا يتواجدون في المجمعات السكنية الفاخرة التي تتوسط محافظة بغداد، التي باتت ملتقى لشريحة محدودة فقط”.
ويشير إلى أن ضعف منظومة النقل العام يدفع الكثيرين للاعتماد على النقل المشترك أو سيارات الأجرة، وهو ما يرفع نسبة الإنفاق الشهري على المواصلات مقارنة بالدخل. “قد لا يبدو المبلغ كبيراً عند النظر إليه منفصلاً، لكنه يتحول إلى عبء حقيقي عندما يكون الراتب محدوداً وثابتاً”.
ويؤكد علي أن الطبقات الأعلى دخلاً تملك هامشاً أوسع لتفادي الأزمة، سواء عبر السكن في مناطق مركزية قريبة من أماكن العمل، أو امتلاك سيارات خاصة أكثر راحة وأقل استهلاكاً للوقت، أو حتى اعتماد أنماط عمل مرنة والعمل عن بُعد في بعض القطاعات، “القدرة على شراء الوقت أصبحت امتيازاً طبقياً”.
ويتابع بالقول إن معالجة الازدحام لا يجب أن تُختزل بتوسيع الطرق فقط، بل بإعادة التفكير في توزيع الخدمات وفرص العمل داخل المدينة، وتطوير نقل عام منظم ومنخفض الكلفة؛ لأن “العدالة الحضرية تعني ألا يدفع الفقير كلفة مضاعفة لمجرد أنه يسكن في الطرف الأبعد من الخريطة