هيئة التحرير/ وكالة سنا الاخبارية
بينما تضج أروقة البرلمان
العراقي بالحديث عن ضغط النفقات وتجفيف منابع هدر المال العام، يبرز ملف وزارة الخارجية كواحد من أكثر الملفات إثارة للجدل؛ حيث تتقاطع فيه أرقام التعيينات الجديدة مع إصرار “الحرس القديم” من السفراء المتجاوزين للسن القانوني على البقاء في مناصبهم، مما خلق حالة من الشلل الإداري والترهل المالي.
الأرقام الصادمة: وفرة في القادة وفراغ في الميدان
كشفت البيانات الأخيرة عن تناقض صارخ في إدارة البعثات العراقية؛ ففي الوقت الذي أكد فيه وكيل وزارة الخارجية هشام العلوي وجود 55 سفارة وممثلية تدار بلا سفراء (أصلاء)، نجد أن البرلمان العراقي قد حسم في آب 2025 تعيين 91 سفيراً جديداً.
هذه الوفرة في الكوادر الجديدة لم تحل أزمة الفراغ، بل خلقت أزمة جديدة لخصها النائب حيدر المطيري بوجود 46 سفيراً بلا سفارة، يتقاضون رواتب وامتيازات دون مهام فعلية، نتيجة عدم إخلاء المقاعد من قبل السفراء الذين تجاوزوا السن القانوني للخدمة.
خرق القانون.. هل تحولت السفارات إلى “إقطاعيات”؟
تشير المصادر القانونية إلى أن بقاء السفير في منصبه بعد تجاوزه السن القانوني للتقاعد يعد مخالفة صريحة لقانون الخدمة الخارجية وقانون التقاعد الموحد.
هذا “التشبث” بالمنصب لا يعيق تدوير الكوادر فحسب، بل يضع العراق في موقف محرج أمام الدول المضيفة، حيث تمثل البعثة الدبلوماسية واجهة الدولة ومدى احترامها للقوانين الوطنية.
ويؤكد مراقبون أن “تجفيف منابع الهدر” الذي نادى به نواب في البرلمان، يبدأ من إنهاء خدمة من انتهت صلاحيتهم القانونية، بدلاً من التضييق على معيشة المواطن، خاصة وأن تكلفة السفير العراقي في الخارج تتضمن مخصصات سكن، وحماية، وضيافة، ترهق كاهل الخزينة العامة.
دماء جديدة معطلة خلف أبواب “المتجاوزين”
إن التصويت على 92 سفيراً في الدورة الخامسة للبرلمان كان من المفترض أن يكون “ثورة تصحيحية” لملف الدبلوماسية، إلا أن تعطل استلامهم لمهامهم حوّلهم إلى “سفراء مع وقف التنفيذ”. ويرى مختصون أن الحل لا يكمن في زيادة عدد السفراء، بل في “الإحلال القانوني”:
الإحالة الفورية للتقاعد: لكل من تجاوز السن القانوني دون استثناءات سياسية.
سد الشواغر: توزيع السفراء الجدد على الـ 55 سفارة
الشاغرة فوراً.
ترشيق البعثات: إنهاء ظاهرة “السفير بلا سفارة” التي تستهلك ميزانية الدولة دون مردود سياسي.
بانتظار القرار الجريء
يبقى السؤال المطروح أمام طاولة الحكومة ووزارة الخارجية: هل ستنتصر سلطة القانون ويتم ضخ الدماء الجديدة في عروق الدبلوماسية العراقية، أم سيبقى “السفراء المتجاوزون” في مناصبهم على حساب المال العام وفرص الكفاءات الشابة؟
إن استمرار هذا الملف دون حسم يعني استنزافاً مستمراً للعملة الصعبة، وتعطيلاً لمهام بعثات دبلوماسية يفترض أن تكون هي المحرك الأول لاقتصاد العراق وعلاقاته الدولية في مرحلة ما بعد الاستقرار