التعليم العالي الى اين : عندما يتحول القياس إلى عائق أمام صناعة المعرفة..بقلم: طارق عرمان عباسأكاديمي وباحث \ استاذ جامعي

المقدمة

أثار اعتماد التقييم الكمي القائم على الأرقام والنسب المئوية في تقويم أداء التدريسيين وترقيتهم جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية ، ولا يزال هذا الجدل مشروعًا ومبررًا في ضوء ما أفرزته التجربة العملية خلال السنوات الماضية. فمنذ بدء تطبيق هذه التعليمات ظل الاعتماد شبه المطلق على التقييم الرقمي موضع تساؤل ليس من باب رفض القياس بحد ذاته بل اعتراضًا على اختزاله الأداء الأكاديمي في أرقام مجردة .
لا شك أن للتقييم الكمي مزايا إجرائية واضحة إذ يوفّر أداة قياس سهلة وسريعة ويُسهِّل المقارنة الإحصائية بين التدريسيين من حيث عدد البحوث المنشورة وحجم الإنتاج العلمي ، كما يمنح الإدارات الأكاديمية إحساسًا بالموضوعية والانضباط الشكلي في اتخاذ قرارات الترقية غير أن هذه الإيجابيات تظل محدودة الأثر إذا ما قورنت بتداعياته العميقة على جوهر البحث العلمي .
تكمن الإشكالية الأساسية في أن التركيز على العدد يفتح الباب أمام ممارسات بحثية مشوّهة تتراوح بين التكرار غير المبرر والاقتباس غير المشروع وصولًا إلى تنامي ظاهرة ما يُعرف بـ مصانع الأبحاث حيث يتحول البحث العلمي إلى سلعة تُنتج لغرض استيفاء متطلبات الترقية لا لتوليد معرفة جديدة ، وفي مثل هذا السياق يصبح الفساد البحثي نتيجة شبه حتمية .
إضافة إلى ذلك يتجاهل التقييم الكمي معيار الأثر العلمي (Impact) الذي يُعدّ جوهر القيمة الأكاديمية لأي بحث فبحث واحد عميق وذو تأثير معرفي حقيقي قد يتفوق في أهميته على عشرات البحوث السطحية غير أن المنظومة الرقمية عاجزة عن التقاط هذا الفارق النوعي دون تدخل تقييم علمي متخصص .
كما يسهم هذا النهج في تآكل الهوية العلمية للتدريسي إذ يدفعه نحو إنتاج بحوث سريعة ومجزأة لضمان غزارة النشر على حساب المشاريع البحثية طويلة الأمد التي تتطلب وقتًا وجهدًا وتعاونًا علميًا حقيقيًا وبهذا يتحول البحث من مسار معرفي تراكمي إلى نشاط إجرائي يخضع لمنطق النقاط.
ولا يقل خطورة عن ذلك تهميش دور مراجعة الأقران (Peer Review) ، إذ تُستبدل الخبرة العلمية المتخصصة بمعايير حسابية جامدة لا تعكس جودة الإضافة المعرفية ولا أصالتها ، وهو ما يتعارض بوضوح مع الممارسات الأكاديمية الرصينة المعتمدة في الجامعات العالمية حيث يُنظر إلى العدد بوصفه مؤشرًا ثانويًا لا معيارًا حاسمًا.
إن الاستمرار في تغليب الكم على النوع لا يؤدي إلا إلى إضعاف المكانة الأكاديمية للجامعة وتراجع تصنيفها الحقيقي وتجفيف منابع الإبداع البحثي فالتدريسي في ظل هذا النظام يُدفع ليكون جامعًا للنقاط بدل أن يكون منتجًا للمعرفة فضلاعن الارتماء الاعمى في احضان دور النشر المبتزة.
إن إصلاح منظومة التقييم الأكاديمي لا يتطلب إلغاء القياس الكمي بل إعادة وضعه في إطاره الصحيح بوصفه أداة مساندة لا مرجعية حاكمة فالتقييم العادل هو ذلك الذي يوازن بين الكم والنوع ويعيد الاعتبار للحكم العلمي الرصين باعتباره الضامن الأساس لجودة التعليم العالي ومستقبله.
الاثار البنيوية على واقع التعليم العالي :-
اولا : تجاهل الفروق المنهجية بين التخصصات
تعتمد المعايير المعمول بها مقاربة موحّدة للتقييم دون مراعاة الاختلافات الجوهرية بين الحقول المعرفية (الإنسانية، الاجتماعية، التطبيقية) ويُعد هذا التجاهل إشكاليًا في ظل التباين الكبير في أنماط النشر ومدد التحكيم وكلفة المجلات العلمية فضلاً عن اختلاف ثقافة البحث وآلياته بين التخصصات.
ثانيا : اختزال مفهوم البحث العلمي
يؤدي حصر التقييم في النشر ضمن مستوعبات محددة إلى تضييق غير مبرر لمفهوم الإنتاج العلمي وإقصاء أنماط رصينة ومعترف بها أكاديميًا من قبيل الكتب المحكمة والدراسات الوطنية المرتبطة بأولويات المجتمع والبحوث التطبيقية ذات الأثر المحلي وهو ما يحدّ من شمولية وعدالة التقييم .
ثالثا : عدم واقعية الإطار الزمني للتقييم
إن ربط التقييم بسنة دراسية واحدة يتعارض مع الطبيعة الزمنية الفعلية للنشر العلمي إذ غالبًا ما تمتد دورة البحث من التقديم إلى التحكيم ثم النشر لفترة تتجاوز العام مما يجعل هذا الشرط غير منسجم مع المعايير الدولية المتعارف عليها .
رايعا : تهميش الوظيفة التدريسية للأكاديمي
يسهم التركيز المفرط على مخرجات البحث العلمي في إضعاف الاهتمام بالأدوار التدريسية والتربوية للأستاذ الجامعي بما في ذلك جودة التدريس وتطوير الخطط والمناهج والإشراف الأكاديمي وهي مكونات أساسية لا تقل أهمية عن البحث في تحقيق جودة التعليم العالي .

خامسا : افتقار التقييم إلى المرونة المؤسسية
إن غياب هامش التقدير الأكاديمي للجامعات والأقسام العلمية بما يتلاءم مع خصوصياتها المعرفية يفقد عملية التقييم بعدها المؤسسي ويحولها إلى إجراء نمطي جامد يفتقر إلى المرونة والموائمة الأكاديمية .

الخاتمة
ان محتوى المقال يعبر عن وجهة نظرة نقدية ازاء معايير التقييم الأكاديمي المعتمدة حاليا والتي تهتم بالشكليات على حساب الجوهر مؤكدا على ضرورة معالجة وتطوير أدوات تقييم التدريسي والبحث العلمي مع التركيز على جودة التعليم وأصالة البحث وتأثيره المجتمعي ان النقاش الموضوعي والبناء لاشك يقدم رؤية واضحة لإعادة التوازن العلمي عبر معايير نوعية تعزز دور الجامعة التنموي والمعرفي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *