هيئة التحرير/ وكالة سنا الاخبارية
منذ مطلع عام 2026 لم يتغيّر سعر الدولار فقط، بل تغيّرت معه طريقة دخول البضائع إلى العراق، وخارطة الكلف على فاتورة المواطن، وصار الموظف يكتشف أنّ راتبه نفسه تبدّل من غير أن يتلقى كتابا رسميا بذلك.
تعرفة كمركية أعلى، احتساب كمركي مسبق، تأمينات ضريبية تُستوفى مع كلّ عملية استيراد، ثم ضرائب ورسوم طالت كارت الهاتف وبعض الأدوية والسلع المستوردة والأجهزة الإلكترونية والسيارات. في الخلفية، بدأت الدولة بتطبيق نظام الأسيكودا وأتمتة المنافذ، وربط الحوالات الخارجية بالبضاعة الفعلية.
رسميّا، تُقدَّم هذه الحزمة بوصفها جزءا من إصلاح المالية العامة وتعظيم الإيرادات غير النفطية. لكن في الشارع، الصورة مختلفة: موظف يخسر جزءا من قوّته الشرائية، تجار يغلقون محلاتهم، دعوات إلى تظاهرات، ونوّاب يتحدثون عن مخالفة دستورية في طريقة فرض الضرائب.
موظف براتب مليون.. ماذا يعني أن يخسر 20% من قدرته الشرائية؟
الخبير في الشأن المالي والاقتصادي ناصر التميمي يلخّص صورة الموظف اليوم بجملة واضحة: الموظف فقد ما يقارب 20% من قيمته الفعلية.
يقول التميمي في حديثه لـوكالة سنا الاخبارية ” إنّ الموظف بات يعاني تراجعا ملحوظا في قدرته الشرائية، وإنّ راتبه فقد ما يقارب 20% من قيمته الفعلية نتيجة رفع الضرائب والرسوم الحكومية من جهة، والارتفاع المستمرّ في أسعار السلع والخدمات الأساسية من جهة أخرى.
الرواتب، كما يشرح، بقيت ثابتة عند مستوياتها السابقة، لكنّ السوق شهد زيادات متتالية في أسعار المواد، ما انعكس بشكل مباشر على معيشة الموظفين وأسرهم. هذه الفجوة بين الدخل والإنفاق أدّت إلى تآكل حقيقي في القوّة الشرائية، ودَفعت شريحة واسعة من الموظفين إلى تقليص استهلاكهم أو اللجوء إلى الديون لتغطية متطلبات الحياة الأساسية.
عمليّا، الراتب الذي كان يكفي سابقا لتغطية احتياجات أسرة متوسطة براتب يقارب 1,000,000 دينار، بات اليوم لا يشتري أكثر من ما يعادل 800,000 دينار من السلع نفسها تقريبا، بعد موجة الزيادات التي أصابت الغذاء والنقل والأدوية والخدمات والاتصالات.
التميمي يشدّد على أنّ زيادة الضرائب والرسوم، سواء المباشرة أو غير المباشرة، أسهمت في رفع كلفة المعيشة، إذ تحمّل المواطن النهائي عبء هذه الزيادات عبر ارتفاع أسعار السلع في السوق، وكان التأثير أكبر على ذوي الدخل المحدود والمتوسط. ويحذّر من أنّ استمرار تراجع القوّة الشرائية من دون حلول واقعية قد يترك أثرا اجتماعيا واقتصاديا أعمق، مؤكّدا أنّ معالجة هذا الملف باتت ضرورة ملحّة لضمان الاستقرار المعيشي والاقتصادي.
بهذا المعنى، لم يُخفَّض راتب الموظف على الورق، لكنّ راتبه الواقعي انخفض؛ فالرقم بقي نفسه، بينما تغيّر ما يستطيع أن يشتريه هذا الرقم.
من السوق إلى الشارع.. تجار يغلقون أبوابهم ويخافون الكساد
التغيّرات الكمركية والضريبية لم تبقَ حبيسة الأرقام والبيانات الرسمية؛ سرعان ما تحوّلت إلى حركة في الشارع والأسواق.
في بغداد، خرج تجار وأصحاب محال أمام غرفة تجارة بغداد يشتكون من قفزة في الضرائب، وتحدّث بعضهم عن انتقال مبالغ التزاماتهم من ملايين محدودة إلى عشرات الملايين خلال أشهر قليلة، مع هبوط حادّ في القوّة الشرائية للمواطن الذي صار يشتري الأقل وبحذر أكبر.
في مناطق تجارية لبيع الأجهزة والهواتف والإلكترونيات، ظهرت حملات إغلاق جماعي للمحلات احتجاجا على الرسوم الجديدة، مع لافتات تردّد أنّ “المواطن ضحية” لقرارات أربكت حركة البيع والشراء ورفعت الأسعار على الجميع.
في البصرة ومحافظات أخرى، وثّقت تقارير مرئية تظاهرات لتجار يحتجّون على الضرائب الجديدة ورفع الرسوم الجمركية، محذّرين من ركود واسع في قطاعات مثل سوق الهواتف والأجهزة المستوردة في وقت يعتمد فيه عدد كبير من الشباب على هذا النوع من التجارة الصغيرة والمتوسطة.
تجار تحدّثوا لوسائل إعلام مختلفة اشتكوا من أنّ الإجراءات المتزامنة تسبّبت بإرباك واضح في حركة السوق، وأنّ استمرار الضغط الضريبي بهذا الشكل سيقود، بحسب تعبير البعض، إلى “كساد كبير” في أسواق بغداد وبقية المحافظات.