هيئة التحرير/ وكالة سنا الاخبارية
تعيش الحكومة الحالية وضع تسيير الأعمال اليومية بعد قرارات المحكمة الاتحادية العليا التي قيّدت صلاحياتها إلى حين تشكيل حكومة جديدة أصيلة.
هذا الوصف لا يعني فراغاً في إدارة الدولة، لكنّه يعني دستورياً أنّ الحكومة لم تعد تملك كامل الأدوات لاتّخاذ قرارات كبيرة أو طويلة الأمد، بل تقتصر مهمّتها على إدارة المرافق العامة بالحدّ الأدنى، وضمان استمرار الرواتب والخدمات، والقرارات العاجلة التي لا تحتمل التأجيل.
اجتهادات المحكمة الاتحادية، ولا سيّما تفسيرها لمفهوم “تصريف الأمور اليومية”، رسّخت قاعدة واضحة: حكومة تصريف الأعمال لا يحقّ لها إنشاء مراكز قانونية دائمة، أو فرض أعباء مالية طويلة الأمد على الخزينة، أو الدخول في التزامات إستراتيجية تشبه ما تقوم به حكومة كاملة الصلاحيات.
قرارات خارج الصلاحيات قابلة للإلغاء
الخبير في الشأن القانوني، سالم الساعدي، يقول في حديث لوكالة سنا الاخبارية ” إنّ “هناك إمكانية بإلغاء عدد كبير من القرارات الصادرة عن الحكومة الحالية في المرحلة المقبلة، في حال ثبت أنّها صدرت خارج إطار الصلاحيات المحدّدة لحكومة تصريف الأعمال اليومية، فالحكومة الجديدة قد تعيد النظر بهذه القرارات أو تُبطلها قانونياً”.
ويبيّن الساعدي أنّ “الدستور العراقي والقرارات التفسيرية للمحكمة الاتحادية العليا حدّدت بشكل واضح حدود عمل حكومة تصريف الأعمال، وهذه الحكومة تقتصر مهامها على تسيير الشؤون اليومية، وعدم اتّخاذ قرارات إستراتيجية أو طويلة الأمد ترتّب التزامات مالية أو إدارية على الحكومات اللاحقة”.
ويضيف أنّ “أيّ قرارات تتعلّق بالتعيينات العليا، أو إبرام العقود الكبيرة، أو إحداث تغييرات جوهرية في هيكل المؤسسات، أو اتّخاذ سياسات اقتصادية ومالية مؤثّرة، تُعَدّ من القرارات الخارجة عن صلاحيات حكومة تصريف الأعمال، ما يجعلها عرضة للطعن أو الإلغاء من قِبل الحكومة الجديدة أو الجهات القضائية المختصّة”.
قرارات معرّضة للطعن في مرحلة تسيير الأعمال
استناداً إلى ما يطرحه الساعدي، يمكن رسم صورة أوضح للقرارات الأكثر هشاشة قانونياً في هذه المرحلة، من خلال أمثلة عملية:
التعيينات والدرجات الخاصة: أيّ قرار يمنح درجة وظيفية عليا، أو يعيّن رؤساء هيئات مستقلة، أو وكلاء وزارات، أو مديرين عامّين، يدخل في باب إنشاء “مراكز قانونية دائمة”، وهو ما يتجاوز نطاق “تسيير الأعمال اليومية”، وبالتالي يمكن أن يتعرّض للمراجعة أو الإلغاء لاحقاً.
العقود الكبيرة والالتزامات طويلة الأمد: توقيع عقود استثمارية أو خدمية تمتدّ لسنوات، أو ترتّب إنفاقاً واسعاً من الموازنة، يُعَدّ قراراً إستراتيجياً، وليس قراراً يومياً. مثل هذه العقود يمكن أن تكون محلّ طعن إذا ثبت أنّها أُبرمت في مرحلة تصريف أعمال من دون ضرورة ملحّة أو غطاء قانوني واضح.
إعادة هيكلة مؤسسات الدولة: إلغاء أو دمج أو استحداث تشكيلات إدارية جديدة في الوزارات والهيئات يغيّر من بنية الدولة، وهذا النوع من القرارات يُعتَبر أبعد بكثير من حدود “استمرارية المرافق العامة”، ويُنظر إليه عادة على أنّه تجاوز لنطاق حكومة تسيير الأعمال.
التجارب السابقة في العراق أظهرت أنّ الحكومات الجديدة، بعد تسلّمها السلطة، تلجأ غالباً إلى مراجعة قرارات سابقتها في فترات تصريف الأعمال، خصوصاً تلك التي اتُّخذت في ظروف سياسية استثنائية أو من دون غطاء قانوني واضح، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية وإدارية معقّدة بين المؤسسات، وأمام مطالبات بإلغاء أو تعديل تلك القرارات.
مراجعة حكومة السوداني لقرارات حكومة الكاظمي
وتُظهر التجربة السياسية القريبة في العراق أنّ هذا السيناريو ليس احتمالاً نظرياً فقط؛ إذ سبق لحكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بعد تشكيلها، أن قامت بمراجعة واسعة لجملة من القرارات التي اتُّخذت في نهاية عهد حكومة مصطفى الكاظمي، ولا سيّما القرارات الصادرة في مرحلة تصريف الأعمال، وانتهى الأمر بإلغاء أو تعديل عدد منها، خصوصاً في ملفّات التعيينات والدرجات الخاصة وبعض العقود والقرارات ذات الكلفة المالية العالية.
هذه السابقة تعطي نموذجاً عملياً لكيفية تعامل الحكومات الجديدة مع قرارات صادرة في فترات تسيير الأعمال:
لا تُعدّ تلك القرارات بالضرورة نهائية.
يمكن فتحها من جديد على طاولة المراجعة القانونية والإدارية.
وقد تتحوّل إلى ملفات للطعن والإبطال إذا تبيّن أنّها تجاوزت حدود التفويض المؤقّت أو ألحقَت ضرراً بالمصلحة العامة.
صلاحيات الحكومة المقبلة وحدود المسؤولية السياسية
يختم الساعدي حديثه بالتأكيد على أنّ “الحكومة الجديدة، حال تشكيلها، تمتلك صلاحيات قانونية لمراجعة تلك القرارات، سواء عبر إلغائها مباشرة أو إحالتها إلى الجهات الرقابية والقضائية المختصّة، خصوصاً إذا ثبت أنّ بعضها ألحق ضرراً بالمصلحة العامة أو خالف القوانين النافذة”.
ويشدّد على أنّ مرحلة تصريف الأعمال “ليست تفويضاً مفتوحاً، بل إطار مقيّد لإدارة الشأن اليومي فقط”، وأنّ أيّ قرار يتجاوز هذا الإطار قد يتحوّل لاحقاً إلى ملف للطعن والإبطال، وموضوع مساءلة سياسية وقانونية في آن واحد.
بهذه الصورة، لا يبقى الجدل محصوراً في سؤال: هل تستطيع الحكومة الحالية إصدار قرارات جديدة؟ بل يتقدّم نحو سؤال أدقّ: كم قرار من القرارات التي تُتَّخذ اليوم سيصمد فعلاً أمام رقابة الحكومة المقبلة والقضاء، وكم منها سيُعاد فتحه على طاولة الإلغاء والمحاسبة؟