الاستحقاقات خارج “السلة الواحدة”: هل يتقدّم منطق الدستور أم حسابات الكتل السياسية؟

تساءل الخبير القانوني المستشار سالم حوّاس، اليوم الخميس (18 كانون الأول 2025)، عن دلالات دعوة الإطار التنسيقي الكتلَ السياسية إلى المضي بانتخاب المرشح السني لرئاسة مجلس النواب، واحتمال المضي بالآلية نفسها مع المرشح الكردي لرئاسة الجمهورية، بمعزل عن حسم باقي الاستحقاقات التنفيذية، مبيناً أنّ هذه الدعوة كسرت تقليداً سياسياً راسخاً اعتمدته جميع الدورات السابقة، حيث كانت الرئاسات تُحسم ضمن “سلة واحدة”، الأمر الذي يفتح باب التساؤل عمّا إذا كان المشهد أمام إعادة هندسة للعملية السياسية أم مجرّد معالجة ظرفية لأزمة انسداد.

وقال حوّاس، في بيان تلقّته لوكالة سنا الاخبارية إنّه “في القراءة الأولية، لا يمكن الجزم بأنّ الخطوة تمثّل تنازلاً سياسياً خالصاً، بقدر ما قد تكون مناورة تكتيكية تهدف إلى نقل الضغط من داخل الإطار إلى شركائه، عبر ترحيل الأزمة أو تثبيت حالة عدم الاتفاق أو تفكيك جبهات التفاوض المتقابلة”، موضحاً أنّ “الفصل بين الاستحقاقات قد يُستخدم إمّا لتصدير أزمة الاتفاق على ترشيح رئيس الحكومة الممثل للمكوّن الشيعي إلى الأطراف الأخرى من خلال إنجاز نصف التسوية، أو لإظهار قدر من المرونة السياسية في لحظة حسّاسة، من دون تقديم التزامات نهائية في ملف السلطة التنفيذية”.

وأكّد حوّاس أنّ “اللافت في هذه الدورة تحديداً، أنّها تشهد انتقالاً من منطق السلة الواحدة إلى منطق السلال المتفرّقة، وهو ما يعكس حالة إنهاك سياسي عام وتراجع القدرة على فرض تسويات شاملة”، مبيناً أنّ “هذا التحول قد لا يكون تعبيراً عن نضج سياسي بقدر ما هو مؤشر على اختلال موازين القوة ومحاولة كل طرف تقليل خسائره بدلاً من تحقيق مكاسب كاملة”.

وأضاف أنّ “تفكيك الاستحقاقات لا يعني بالضرورة تفكيك الأزمة، ما لم يُستكمل بمسار واضح لتشكيل السلطة التنفيذية وضبط العلاقة بين الاستحقاقات الدستورية والتفاهمات السياسية، بحيث لا تتحول المرونة التكتيكية إلى قاعدة دائمة تضعف هيبة النص الدستوري وتُبقي تشكيل الرئاسات والسلطات رهناً بتفاهمات اللحظة لا بضوابط الدستور”.

ومنذ أول دورة برلمانية بعد عام 2005، استقرّ العرف السياسي على حسم الرئاسات الثلاث ضمن “سلة واحدة” تقوم على تفاهمات شاملة بين الكتل الكبرى، حيث تُتوّصل داخل أطر المكوّنات الرئيسة إلى اتفاق متزامن على شخص رئيس مجلس الوزراء الممثل للمكوّن الشيعي، ورئيس مجلس النواب الممثل للمكوّن السني، ورئيس الجمهورية الممثل للمكوّن الكردي، قبل عرضهم في جلسة واحدة أو مسار واحد متتابع للتصويت. وقد تحوّل هذا النمط، في دورات 2010 و2014 و2018 و2022، إلى قاعدة غير مكتوبة لإدارة الاستحقاقات، يقوم عليها توازن معقّد للمصالح بين القوى المتشاركة في الحكم، ما يجعل أي خروج عنه، كما يجري تداوله اليوم، خطوة محمّلة بتأويلات سياسية ودستورية متعددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *