هيئة التحرير / وكالة سنا الاخبارية
لا تبدو ملامح تشكيل الحكومة العراقية المقبلة منفصلة عن تحولات القوى الكبرى في العالم، ولا عمّا تراكم من ضغوط إقليمية ودولية عقب الحرب الروسية ـ الأوكرانية وصعود المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. وفي قلب هذا الاشتباك الدولي، يبرز العراق مرة أخرى بوصفه ساحةً لا تختبر فيها واشنطن قدرتها على التدخل، بقدر ما تختبر حدود نفوذها في منطقة تتغيّر معادلاتها بصورة متسارعة.
هذا المشهد يصفه أستاذ العلوم السياسية صفاء حسين علي بقدر من التحفظ، إذ يرى في حديثه لوكالة سنا الاخبارية ” أن كثيراً مما يُنسَب للمبعوث الأميركي في بغداد لا يتجاوز “المبالغة” التي سوّقتها أوساط سياسية وإعلامية. فهو، بحسب علي، “غير مُخوّل برسم مستقبل الحكم في العراق، ولا يمتلك تلك الصلاحيات التي تُصوّر وكأنها امتداد مباشر للبيت الأبيض”. ويأتي ذلك على الرغم من التصريحات الصارمة التي أطلقها مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مارك سافايا، خلال الأيام الماضية، حين توعّد بأن العراق “على مفترق طرق”، وأن دعم واشنطن السياسي والاقتصادي سيكون مرهوناً بإغلاق ملف السلاح خارج إطار الدولة وصيانة هيبة المؤسسات، وهي رسائل تُقرأ في بغداد باعتبارها شروطاً غير مباشرة تسعى واشنطن لفرضها على أي حكومة مقبلة.
ومع ذلك، يوضح علي أن هذه الرسائل، مهما بدت حادة، لا تعني أن الولايات المتحدة ستتدخل بصورة مباشرة في رسم شكل الحكومة. فهي، كما يقول، تمتلك أولويات أكثر إلحاحاً، وبعضها ينفصل عن الشرق الأوسط تماماً. فالحرب الروسية ـ الأوكرانية أعادت ترتيب الأولويات على مستوى العالم، فيما صعود الصين الاقتصادي والعسكري دفع واشنطن إلى تحويل ثقلها نحو شرق آسيا، حيث تُخاض المنافسة الأكثر حساسية بالنسبة لها. هذا التحول الكبير، كما يشرح، جعل العراق جزءاً من دائرة اهتمام ثانوية مقارنة بسنوات مضت، وهو ما يقلّص احتمالات تدخل أميركي مباشر في هندسة الحكومة كما جرى في مراحل سابقة.
ومع ذلك، لا يغيب العراق عن الحسابات الأميركية بالكامل. فعلى الرغم من انشغال واشنطن بملف الصين، فإنها تراقب المشهد العراقي بحذر، خصوصاً في ملفات تتصل بالإرهاب، والسيادة، وشكل النظام السياسي، وموقع البلاد ضمن توازنات الطاقة الإقليمية. ولهذا، يعتقد علي أن تدخل واشنطن المحتمل لن يتجاوز “الفيتو غير المعلن” على بعض الأسماء أو المسارات، لكنه لن يصل إلى إعادة رسم المشهد أو إقصاء قوى بعينها، حتى مع تصاعد لغة التحذير في تصريحات سافايا، التي تبدو أقرب إلى محاولة الضغط السياسي منها إلى وضع خارطة جاهزة للحكم.
ويشير علي إلى أن الانتخابات الأخيرة التي جرت في تشرين الثاني الماضي قدّمت صورة مختلفة عمّا كان يُتوقع، إذ لم تُسجل حالات تهديد مباشر للناخبين من قبل فصائل مسلحة، وجاءت النتائج لتعكس بوصلة المزاج العام، رغم بعض السلبيات التي رافقت العملية. وبحسب رؤيته، فإن المنظومة الديمقراطية في العراق – بكل ما تعانيه من تحديات – ما تزال أفضل من أنظمة إقليمية لا تمتلك أحزاباً راسخة أو آليات لتداول السلطة.
على مستوى المستقبل السياسي، يطرح علي تصوراً أكثر تفاؤلاً، إذ يرى أن الحكومة المقبلة قد تكون أقوى من الحالية إذا ما أدركت القوى السياسية ضرورة التفاعل مع مقتضيات المصلحة العامة، وتجنّبت منطق الإقصاء الذي يُخشى تداوله في الخطاب العام. فاستثناء أي قوة أو فصيل من مسار تشكيل الحكومة “لن يمضي”، كما يقول، لأن التجربة العراقية قامت أساساً على مبدأ التوافق الذي يفرض شراكة سياسية واسعة مهما اختلفت الأطراف.
ويختتم علي رؤيته بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة، رغم نفوذها، “لن تتدخل في كثير من القضايا”، لأنها ببساطة مشغولة بصراع أكبر مع الصين ومصالحها في جنوب شرق آسيا. غير أن رسائل مبعوث ترامب الأخيرة، بما تحمله من لهجة مشروطة، قد تبقى جزءاً من الضغط السياسي الذي تمارسه واشنطن كلما اقترب العراق من لحظة تشكيل حكومة جديدة، دون أن يتحول ذلك إلى تدخل مباشر يعيد رسم الخارطة من الصفر.