هل عاد رجل الظل إلى العراق؟.. أنباء عن تواجد الكوثراني في بغداد تربك “المشهد السياسي”

منذ ساعات قليلة، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بأنباء تتحدث عن وصول القيادي في حزب الله اللبناني محمد الكوثراني إلى بغداد، وعقده لقاءات مع شخصيات سياسية رفيعة، وحمله رسائل تتعلق بملفات حساسة داخل العراق. وككل موجة إلكترونية مشابهة، تمددت الرواية سريعاً، لكن دون صورة واحدة أو تسجيل أو حتى بيان غير مباشر يشير إلى زيارة من هذا النوع.

ومع تصاعد الجدل، تواصلت “وكالة سنا الاخبارية ” مع الخبير في الشؤون الأمنية صادق عبد الله، الذي قدّم قراءة مختلفة عمّا يجري، أقرب إلى الوقائع منها إلى رواية المنصات. يؤكد عبد الله أولاً أنه “لا يوجد فيتو رسمي على وجود محمد الكوثراني في العراق”، لكنه يلفت إلى أن دوره الفعلي تراجع بشكل واضح خلال العامين الأخيرين، وأن حضوره ـ إن وُجد ـ لم يعد يمتلك التأثير الذي كان له قبل عقد من الزمن.

يشرح عبد الله أن الكوثراني، المعروف بلقب “أبو جعفر”، كان واحداً من أكثر الشخصيات نشاطاً في الساحة العراقية بعد عام 2014، تحديداً خلال سنوات المواجهة مع تنظيم داعش، حين لعب دوراً لافتاً في التنسيق بين حزب الله والفصائل العراقية، سواء في نقل الخبرات أو في صياغة بعض الخطوط الميدانية المشتركة. لكنه يؤكد في المقابل أن “ما بعد عام 2023 ليس كما قبله”.

فأحداث “طوفان الأقصى” وما أعقبها من اغتيال الأمين العام لحزب الله، أعادت ترتيب الأولويات داخل الحزب، وشدّدت القيود الأمنية على كوادره. وبحسب عبد الله، فإن “هذه التطورات قلّصت مساحة تحرك كوثراني خارج لبنان، بما في ذلك العراق”، مضيفاً أن أي زيارة محتملة ستكون محكومة بسقف ضيق وطابع غير سياسي، وقد لا تتجاوز لقاءات اجتماعية أو دينية متصلة بعلاقاته القديمة هنا.

من العوامل المؤثرة أيضاً — وفق عبد الله — أن العلاقات بين الفصائل والحكومة العراقية أصبحت أكثر انضباطاً مما كانت عليه في سنوات سابقة. ويشير إلى أن “الحكومة لا يمكنها اليوم ترك أي مساحة لتحرك خارجي غير منسّق قد يُسبب إحراجاً في بيئة سياسية ودبلوماسية شديدة الحساسية”، خصوصاً أن العراق يخضع لرقابة دولية دقيقة نتيجة الأحداث الإقليمية وتسارع التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

وعلى خلفية كل ذلك، يرى عبد الله أن الحديث عن لقاءات سياسية واسعة للكوثراني داخل بغداد “غير واقعي حالياً”، وأن أي تحرك — إن وقع — سيكون مراقباً ومحدوداً جداً، خاصة في ظل كثافة النشاط الاستخباري الدولي المرتبط بملف محور المقاومة.

من هو الكوثراني؟ ولماذا يُثار اسمه دائماً؟

شكّل الكوثراني، منذ عام 2014، واحداً من أبرز الوجوه اللبنانية الموجودة في المشهد العراقي. اسمه ارتبط بلقاءات غير معلنة جمعت قادة سياسيين وزعماء فصائل، وبرز بوصفه قناة مهمة للتنسيق بين بغداد وبيروت وطهران خلال سنوات الأزمات السياسية. ولهذا، تحوّل إلى شخصية مثقلة بالرمزية السياسية والأمنية، ما يجعل أي إشاعة تتعلق بوصوله قابلة للانتشار السريع.

لكن المعطيات على الأرض — كما يشير عبد الله — تقول إن زمن تأثير الكوثراني لم يعد كما كان، وأن المتغيرات الأخيرة في لبنان والعراق قلّصت من مساحة حضوره، سواء سياسياً أو تنظيمياً.

حتى اللحظة، لا يوجد ما يثبت وصول الكوثراني إلى العراق. لا صور، لا فيديوهات، لا بيانات، ولا حتى تسريبات جدية من أطراف سياسية معروفة. الأمر ما يزال في إطار “المعلومة الإلكترونية”، بينما الواقع الأمني والسياسي يشير إلى أن أي تحرك لشخصية بهذا الوزن سيكون محكوماً برقابة عالية.

إن الجدل حول وجود الكوثراني يعكس حساسية اللحظة العراقية: مرحلة انتقالية بعد الانتخابات، مشاورات تشكيل حكومة جديدة، تصاعد التوتر الإقليمي، وتنافس محاور تبحث عن نقاط ثقل داخل بغداد. وفي مثل هذه البيئة، يصبح مجرد الحديث عن زيارة شخصية مؤثرة مادة قابلة للتضخيم، حتى لو كان حضورها على الأرض محدوداً للغاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *