زيارة انتخابية متوترة: خطاب الحلبوسي الطائفي يُغضب تلعفر ويكشف مخالفة “خطيرة”.. ماذا حدث؟

هيئة التحرير / وكالة سنا الاخبارية

شهدت مدينة تلعفر، غربي محافظة نينوى، اليوم السبت، تحركاً شعبياً “غير مسبوق”، يعكس مدى حساسية المشهد السياسي والاجتماعي في هذه المنطقة الاستراتيجية. إذ أن زيارة رئيس حزب “تقدم” محمد الحلبوسي، التي كان من المفترض أن تكون محطة انتخابية لتعزيز حضوره في المحافظة، تحولت إلى نقطة “صِدام” بين السكان المحليين والقوى السياسية المركزية.

ويواصل الحلبوسي زيارته إلى محافظة نينوى منذ يومين، وسط انتقادات كبيرة في ظل خطابه الطائفي، وانتقاداته المتكررة لمنافسيه في الانتخابات.

رفْضُ أهالي تلعفر، من التركمان الشيعة والسنة والعشائر العربية، للحلبوسي لم يكن مجرد احتجاج انتخابي، بل كان رسالة واضحة عن تمسكهم بحقوقهم ومطالبهم في تحويل القضاء إلى محافظة مستقلة، وعن رفض أي خطاب طائفي قد يهدد التعايش الاجتماعي الذي ساد لسنوات.

ويستعرض تقرير شبكة “انفوبلس”، أبعاد الأزمة، من جذور الخلاف إلى ردود الفعل الشعبية والعشائرية، مروراً بالتداعيات السياسية والأمنية، وانتهاءً بالانعكاسات المستقبلية على حزب “تقدم” والمشهد السياسي السني والكردي في نينوى.

تلعفر تُجبر الحلبوسي على تغيير مساره

أعربت نخب عشائرية وعدد كبير من أهالي قضاء تلعفر، غربي نينوى، عن رفضهم القاطع لزيارة محمد الحلبوسي. وقد تصاعد هذا الرفض ليتحول إلى تحرك ميداني، حيث أقدمت حشود من الأهالي على إغلاق الطريق الرئيس في القضاء بالإطارات المشتعلة، مما تسبب بقطع حركة المرور لساعات متواصلة على الطريق الرابط بين الموصل وتلعفر.

وأكد شهود عيان أن “مئات المواطنين تجمهروا قرب مدخل القضاء وأغلقوا الطريق الرئيس بالإطارات المشتعلة، احتجاجاً على مواقف الحلبوسي من ملف تحويل تلعفر إلى محافظة مستقلة”، مبيناً أن “المحتجين رفعوا لافتات تؤكد تمسكهم بمطلبهم، وعدّوا رفض الحلبوسي لذلك استهدافاً مباشراً لحقوقهم”.

فيما ذكر مصدر محلي أن الاحتجاجات الغاضبة دفعت رئيس حزب تقدم إلى تغيير مسار زيارته، متجهاً إلى قرى قبيلة الجحيش عبر طريق ربيعة – الموصل لتجنب المرور بالمدخل الرئيس للقضاء. وأضاف أن “القوات الأمنية انتشرت بكثافة في محيط التجمعات لتأمين الوضع ومنع أي تصعيد محتمل، فيما تسببت التظاهرة بقطع حركة المرور لساعات متواصلة”.

كما أكد وجهاء وأهالي قضاء تلعفر التابع لنينوى زيارة الحلبوسي لمنطقتهم، قائلين إنه “جاء لإثارة النزاعات والخطاب الطائفي”.

سبب الغضب

أوضح عضو مجلس وجهاء وعشائر تلعفر، سعيد القصاب، أن زيارة الحلبوسي تمثل “تحدياً” لأهالي تلعفر، مشيراً إلى أن سبب الرفض الرئيس يعود إلى “موقفه المتكرر وتصريحاته العلنية” التي وقف فيها ضد طموح ورغبة الأهالي بتحويل مدينتهم إلى محافظة مستقلة.

وأكد القصاب أن الأهالي من مختلف المكونات – من التركمان (الشيعة والسنة) والعشائر العربية المحيطة – يرفضون زيارة الحلبوسي. ورأى أن الزيارة تهدف إلى “إثارة النعرات وبث الخطاب المتعصب مرة أخرى، بهدف الكسب الانتخابي”، مؤكداً أن الأهالي يدركون أن الحلبوسي جاء “ليبث التفرقة ويزعزع التعايش السلمي”.

وقد عكست اللافتات التي رفعها المحتجون عمق رفضهم، حيث كُتب على بعضها: “من لا يرى تلعفر في الخريطة لن نراه في عيوننا وقلوبنا”. 

النائب الدوبرداني يدخل على الخط 

تزامناً مع احتجاجات تلعفر، أدلى عضو مجلس النواب عن محافظة نينوى، شيروان الدوبرداني، ببيان شديد اللهجة استنكر فيه تصريحات وصفها بـ”غير المسؤولة” أطلقها الحلبوسي حول مناطق حساسة في المحافظة مثل قضاء مخمور، وناحية زمار وقراج، ومناطق المادة 140 الدستورية.

وقال النائب شيروان ان ابتعاد الحلبوسي عن السلطة المركزية فتح الباب لبروز قوى سنية منافسة تحاول استعادة التمثيل السني عبر تحالفات أوسع، أو من خلال تبني خطاب عشائري مناهض لهيمنته. 

وتُعد هذه التطورات مؤشراً على “تفكيك تدريجي” لشبكة نفوذ الحزب في المناطق المحررة، رغم محاولاته المستمرة للتعويض عبر النشاط الإعلامي و”الجيوش الإلكترونية”. ويرجح خبراء سياسيون أن هذا الجهد الترويجي لن يغير من حقيقة الضعف البنيوي الذي أصاب الحزب بعد سقوط مظلة السلطة عنه، مما يجعل الانتخابات القادمة اختباراً حقيقياً لمدى تماسك قاعدته الجماهيرية.

وفي النهاية يمكن القول، إن زيارة الحلبوسي إلى تلعفر لم تكن مجرد محطة انتخابية فاشلة، بل شكّلت نقطة تحول في علاقة الرجل مع نينوى، وربما في مسيرته السياسية كلها. رفض الأهالي له كان رسالة قوية بأن الخطاب الطائفي لم يعد يجد صدى، وأن محاولات الهيمنة من خارج المدينة لن تمر بسهولة.

أما على المستوى الأوسع، فإن ما جرى يعكس تراجع نموذج “الزعيم السني الواحد”، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعددية والتنافس داخل الساحة السنية، حيث ستكون الكلمة الفصل للشارع وصناديق الاقتراع في 11 تشرين الثاني المقبل.

بهذا المعنى، فإن أزمة تلعفر قد تتحول إلى بداية النهاية لهيمنة الحلبوسي وحزبه “تقدم”، أو على الأقل بداية مرحلة جديدة يواجه فيها تحديات أعقد مما واجهه في سنوات صعوده السريع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *