هيئة التحرير / وكالة سنا الاخبارية
لم يكن أحد يتوقع أن يتحول الأسبوع الأول من العام الدراسي الجديد، الذي انطلق قبل أيام قليلة بمشاركة أكثر من 12 مليون تلميذ وطالب في مختلف المراحل، إلى سلسلة أحداث مأساوية متلاحقة هزّت الرأي العام، وأعادت فتح ملف أمن المدارس وهيبة المؤسسة التربوية في العراق. فما بين مصرع طفلة في حادث سير مأساوي، واشتباكات مسلحة قرب مدرسة ابتدائية، واعتداءات جسدية على الكوادر التعليمية، ووقائع تحرش متكررة، وصولًا إلى دهس طلاب أمام مدارس العاصمة، تكشف الوقائع الأخيرة عن مشهد مروّع لا يمكن اختزاله في حادث عرضي أو خلاف فردي، بل هو انعكاس مباشر لأزمة أعمق يعيشها المجتمع العراقي في علاقته بالمؤسسة التربوية، أمنًا واحترامًا وهيبةً.
الديوانية: انطلاقة دامية بوفاة طفلة وإصابة تلاميذ
مع الساعات الأولى للأسبوع الدراسي الأول، سُجّلت واحدة من أبشع الحوادث التي هزت محافظة الديوانية. فقد أدى تصادم سيارة تقلّ تلاميذ مع أخرى في منطقة الدغارة إلى مصرع طفلة وإصابة أكثر من عشرة طلاب بجروح متفاوتة. ورغم سرعة استجابة الأجهزة الأمنية ونقل المصابين إلى المستشفى، إلا أن الصور الأولى من موقع الحادث عكست حالة من الفوضى والصدمة، وفتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات عن غياب معايير السلامة في نقل الطلبة وغياب تنظيم حركة السير قرب المؤسسات التربوية.

الحادث لم يكن مجرد مأساة إنسانية فردية، بل جاء بمثابة جرس إنذار قاسٍ مع بداية عام دراسي يُفترض أن يحمل الأمل لعائلات الطلبة. إذ تحوّلت فرحة العودة إلى مقاعد الدراسة إلى مأتم مبكر، رسخ في أذهان الأهالي أن الخطر يترصد أبناءهم حتى وهم في طريقهم إلى مدارسهم.
الشامية: المدرسة تتحول إلى ساحة مواجهة مسلحة
وما إن هدأ وقْعُ مأساة الديوانية، حتى جاءت حادثة أكثر خطورة في قضاء الشامية بمحافظة القادسية، حيث تحولت مدرسة القيروان الابتدائية إلى مسرح مواجهة مسلحة ودرع لحماية مطلوب بالقتل. إذ نفذت قوة من وحدة الرد السريع بالاشتراك مع مركز شرطة الشامية أمرًا قضائيًا لاعتقال متهم بجريمة قتل وفق المادة 406، وهو شقيق مدير المدرسة. إلا أن الأحداث تطورت بشكل درامي حين بادر المتهم بإطلاق النار باتجاه القوة الأمنية، ثم لاذ بالفرار إلى داخل المدرسة.
الأخطر أن مدير المدرسة لم يكتفِ بمحاولة إبعاد التلاميذ إلى الساحة الداخلية، بل استغل وجودهم كـ”دروع بشرية”، ليمنح شقيقه فرصة الهروب. هذا السلوك لم يعرّض حياة مئات التلاميذ للخطر فحسب، بل شكّل سابقة خطيرة في استخدام المؤسسات التربوية كملاذ للمطلوبين. وأدى ذلك في النهاية إلى اعتقال مدير المدرسة بتهمة تمكين المتهم من الهروب وحيازته أجهزة اتصال لاسلكية للتواصل معه.
تداعيات هذه الواقعة لم تقتصر على المستوى الأمني، بل تركت أثرًا نفسيًا عميقًا لدى الطلبة وذويهم. إذ كيف يمكن لعائلات الشامية أن تطمئن على سلامة أبنائها إذا كانت المدرسة نفسها قابلة للتحول في أي لحظة إلى ساحة صراع مسلح؟
الواقعة أثارت موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبرها كثيرون إهانة مباشرة للمعلم العراقي الذي لطالما كان رمزًا للهيبة والاحترام. وقد سارعت وزارة التربية إلى التفاعل مع الحادثة، حيث وجه الوزير إبراهيم نامس الجبوري بتشكيل لجنة قانونية عاجلة لإقامة دعوى قضائية ضد المعتدي، مؤكداً أن “كرامة المعلم خط أحمر”. كما زار وفد من مديرية التربية ونقابة المعلمين موقع الحادث لمساندة المعلمة المعتدى عليها.
بالتوازي، أعلنت شرطة كربلاء اعتقال المعتدي وتسليمه للقضاء، مؤكدة أنها لن تسمح بأي تجاوز يستهدف المؤسسة التعليمية. لكن رغم هذا الإجراء السريع، فإن صور الاعتداء ظلت عالقة في أذهان العراقيين كمشهد صادم يعكس انهيار مكانة المعلم في المجتمع.