هيئة التحرير / وكالة سنا الاخبارية
منذ عقود، ظل ملف الفقر والبطالة في العراق عنواناً بارزاً للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تتجدد كلما تبدلت الحكومات وتعاقبت البرامج الإصلاحية. وعلى الرغم من التصريحات الرسمية التي تتحدث عن تراجع ملحوظ في معدلات الفقر خلال السنوات الثلاث الماضية، إلا أنّ الشارع العراقي ما زال ينظر بعين الشك إلى هذه الأرقام، فيما يراها خبراء اقتصاديون أقرب إلى “رسائل طمأنة إعلامية” منها إلى انعكاس فعلي على حياة الناس.
أرقام وزارة التخطيط
المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي أوضح أن نسبة الفقر العام انخفضت من 23 % في عام 2022 إلى 17 % بحلول نهاية 2024، فيما سجل الفقر متعدد الأبعاد تراجعاً أكبر حيث هبط من 21% إلى 11%. وأضاف أن المحافظات التي كانت تسجّل أعلى نسب للفقر شهدت تحسناً واضحاً، حيث انخفضت نسبة الفقر في محافظة المثنى من 52 % إلى 40 %، بينما شهدت محافظات الديوانية وميسان وذي قار تراجعاً من نحو 40–47 % إلى أقل من 20 %، كما انخفضت نسبة الفقر في محافظة نينوى شمالاً من حوالي 40 % إلى دون 20 %.
وبحسب الهنداوي، فإن هذا التراجع لم يكن محض صدفة، بل جاء نتيجة سياسات حكومية وصفها بالفعالة، سواء عبر برامج الحماية الاجتماعية المباشرة أو من خلال مشاريع التنمية وإعادة تشغيل البنى التحتية. فقد شملت برامج الحماية أكثر من مليونين ومئة وخمسين ألف أسرة، كما تم تأمين “السلة الغذائية” عبر البطاقة التموينية بشكل أكثر انتظاماً وجودة، فضلاً عن منح تعليمية تشجع الأسر على إبقاء أبنائها في مقاعد الدراسة حتى الدراسات العليا، إضافة إلى توفير خدمات صحية مجانية للفئات الأكثر فقراً.
الهنداوي يشير أيضاً إلى تأثير “السياسات غير المباشرة” في تحسين المستوى المعيشي، ومنها إعادة تشغيل 71 مستشفى متوقف، وإنجاز 8 آلاف مدرسة في مختلف المحافظات، إلى جانب مشاريع كبيرة في بغداد مثل فك الاختناقات المرورية، التي وفرت بدورها مئات آلاف فرص العمل وقللت من نسب البطالة والفقر.
ويرى المتحدث باسم الوزارة أن هذه الأرقام تعكس التزام الحكومة بسياسات حماية مستدامة، تستهدف ليس فقط تقليص نسب الفقر الحالية، بل منع تفاقمه مستقبلاً عبر خطط تنموية متعددة المسارات.
أرقام تصطدم بالواقع
لكن هذه الصورة الوردية التي تقدمها وزارة التخطيط، سرعان ما تصطدم بوجهة نظر أخرى أكثر تشاؤماً من داخل المجتمع العراقي نفسه. فالكثير من المواطنين لا يشعرون بتحسن ملموس في حياتهم اليومية، بل يؤكدون أن كلفة المعيشة ما زالت مرتفعة مقارنة بمستويات الدخل، وأن البطالة، خصوصاً بين الشباب، لم تنخفض بالشكل الذي تعلنه الحكومة.
الخبير الاقتصادي نوار السعدي، يضع هذه الأرقام موضع تساؤل، مؤكداً أنها لا تعكس الواقع بشكل دقيق. يقول السعدي: “الحديث عن انخفاض نسبة الفقر إلى 17% يبدو جميلاً على الورق، لكنه لا يلامس حياة العراقيين اليومية. ما نراه على الأرض يؤكد أن الفقر والبطالة ما زالا يشكلان عبئاً ثقيلاً، وأن المعالجات الحكومية تبقى محدودة ومؤقتة”.
ويضيف أن البطالة لم تعد مجرد مؤشر اقتصادي عابر، بل تحولت إلى تهديد مباشر للاستقرار الاجتماعي، خاصة مع ارتفاع نسبها بين فئة الشباب التي تمثل غالبية السكان. هذا الواقع يخلق حالة من الإحباط ويزيد من مخاطر الانحراف الاجتماعي أو الهجرة غير الشرعية أو حتى الانجراف نحو العنف والجريمة.
غياب الإصلاحات الجذرية
السعدي يشدد على أن سياسات الحكومة الحالية، التي تتضمن قروضاً صغيرة أو فرص تشغيل مؤقتة، لا تمثل حلولاً جذرية. “جوهر الأزمة يكمن في اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل، مع ضعف تنويع القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة والخدمات. من دون معالجة هذه الثغرات، ستبقى كل الأرقام مجرد رسائل إعلامية أو أدوات سياسية.”
ويؤكد، أن المطلوب هو بناء استراتيجية اقتصادية متكاملة تقوم على دعم القطاع الخاص وفتح المجال أمام المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وربط التعليم والتدريب بمتطلبات سوق العمل. فغياب هذا الربط يجعل مخرجات الجامعات بعيدة عن احتياجات السوق، ويزيد من البطالة بين الخريجين عاماً بعد آخر.