هيئة التحرير / وكالة سنا الاخبارية
بقلم – وليد المسعودي
لا يمكن أن تتجاهل أي سلطة في العراق طبيعة المسألة العشائرية، لما فيها ضمن حدود النسبي من طبيعة متمردة، صراعية حول الملكية والاراضي وبالتالي تشكل السيطرة على العشائر هم ومسعى السلطة مهما اختلف تكوينها، قديم أو حديث وبمختلف الوسائل كالترهيب والترغيب والقمع والافقار ولم تستطع اي سلطة في العراق منذ تكوين الدولة العراقية الحديثة عام 1921 الى وقتنا الحاضر حيث دولة المحاصصة الطائفية العرقية الفاسدة، ما عدا محاولات جمهورية قاسم واصلاحاته الزراعية، نقول لم تستطع ان تحقق:
1- تحسين الأحوال الانسانية المعيشية للفلاحين وللعشائر
2- دمج العشائر المهاجرة من الريف الى المدينة ضمن مجتمع حديث قابل للتطور مع مرور الزمن
3- عدم التخلي عن سياسة “كسب الرؤوس” وجذبهم بوسائل الترغيب والترهيب
4- انهاء الصراعات والعادات والتقاليد العشائرية البائدة
الإنكليز والإقطاع
مع دخول الانكليز الى العراق شكلت المسألة العشائرية اهمية وقلق كبيرين للمحتل، وبالتالي لم تستطع السيطرة على العشائر إلا من خلال استمالة “رؤوس صغيرة” من شيوخ العشائر لا يتمتعون بالحضور والمركزية داخل عشائرهم حيث تم منحهم اراض واسعة وسلطات كبيرة وبالتالي نشأت اقلية مالكة للأراضي من شيوخ الاقطاع مع ابعاد الشيوخ الاصليين ومعاملتهم معاملة سيئة للغاية، هذه السياسة كانت بمثابة “الكرباج” أو السوط المسلط على ظهور الفلاحين الفقراء، دعمت حكم البريطانيين في العراق ونظامهم الملكي فيما بعد، وكانت ايضا احد الاسباب المباشرة لاحداث ثورة العشرين التي وقفت فيها العشائر العراقية وقدمت التضحيات والبطولات الباسلة ضد سياسة الجور البريطانية، ولم يستتب الامر إلا بعد وصول الملك فيصل الاول ودعم نظامه بمساندة الاقطاع، ومع ذلك ظل الملك فيصل يعاني من سلاح العشائر وقوتها حيث عبر في مذكراته “ان العشائر تملك اسلحة أكثر مما يملك جيشه وقواته الامنية حيث يبلغ عدد سلاح العشائر 75 الف بندقية بينما لا تملك قواته سوى 15 الف بندقية”.
أرضية خصبة للتمرد
لقد أصبحت المسألة العشائرية في ظل الحكم الملكي تحت قيادة الاقطاع وبالتالي ديمومة مباشرة لعوامل الاضطهاد والقمع والصراع والهجرة من الريف الى المدينة، وبذلك اصبحت الارضية الفلاحية سواء تلك الموجودة في الريف أو المدينة بحكم الارتباط القرابي، اصبحت ارضية خصبة للتمرد بقيادة الشيوعيين حيث استطاعوا استغلال هذا الافقار والبؤس والعوز والاهمال من قبل الملكية واقطاعها، الامر الذي مكنهم من سرعة الانتشار، ولأن البيئة الفلاحية كانت خالية من التحريض من قبل رموز التقليد الاجتماعي الدين ومؤسساته حيث وجود رجال الدين السادة الذين يكسبون الخمس من رموز العشائر من الاقطاع ولم يهمهم على الاطلاق ظلم الفلاح واضطهاده، ولم يشاركوا في اي تحريض ضد النظام الملكي الجائر ونصرة الفلاحين الفقراء، استغل الشيوعيون هذه الفرصة وعبأوا الناس واستطاعوا الانتشار وكسب العشائر مع شيوخها الغير موالين للاقطاع والنظام الملكي تمثل في التأييد والمشاركة في وثبة حزيران عام 1948، من خلال ابناء الفلاحين الفقراء من عمال السكلجية، وصولا الى دعم ومساندة ثورة 14 تموز تحت قيادة الزعيم عبد الكريم قاسم لأنه انصفهم كثيرا من خلال اعادة توزيع الأراضي للفلاحين وسن قانون الاصلاح الزراعي وانشاء الجمعيات التعاونية الفلاحية التي كان للشيوعين الدور الكبير في المشاركة فيها ودعمها.
هرمية التخلف العشائري اليوم
إن واقع العشائر اليوم في العراق لا يشير إلا الى حالة العدمية في التطوير الوجودي للمجتمع العشائري، من حيث بقاء وثبات الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على حالها دون تغيير يذكر، فقط هناك الاجترار والاعتماد الذاتي على نظامية وسلوكية هذه العشائر أو تلك، فالتي تميل إلى الهدوء السلام الاجتماعي، والتي تميل إلى العنف والعدوانية وفقدانها للنظام واحترام القوانين، كل ذلك لابث في طبيعة تأثير عوامل كثيرة تبدأ وتنتهي بالظروف المحيطة والمنتجة سلطويا من اقتصاد وسياسة واجتماع ودين شعبي فضلا عن تأثيرات عوامل اخرى متداخلة في جينات الوراثة للسلام الاجتماعي أو للعدوانية والعنف والتربية والسيطرة المحلية لزعماء العشائر سواء تلك التي تميل إلى الانقسام ونسخ تجاربها العنفية أو تلك التي تبث السلام والهدوء والتعاون مع بقية نظيراتها من العشائر الاخرى.
ان التحليل السياسي والاقتصادي غير كاف لثبات المجتمع العشائري على نموذج معين هناك ايضا كما اسلفنا عوامل الوجود والتكوين الوراثي والتربوي المحيط بهذا المجتمع أو ذاك، وكثيرا ما تظهر مؤثرات التحليل السياسي والاقتصادي ذات ارتباطات زمنية طويلة الامد خصوصا مع العشائر المعرضة إلى الاهمال والافقار والقمع والتهجير والحيف واضفاء التخلف كصفة جامدة على سلوكها الوجودي الاني والمستقبلي.
فالمجتمعات التي تعيش في الجنوب والشرق تعرضت إلى الاهمال والفقر والاستبداد أكثر من غيرها في الشمال والغرب والوسط، ذلك مركز تاريخيا والنتيجة هي ما نشهده اليوم من تخلف أكثر العشائر وبمستويات وتدرجات مناطقية وكأننا أمام هرم له قاعدته ويبدأ بالصعود إلى اخر هرم التخلف، والاخير صفة لابثة داخل هرمية المجتمع العشائري حيث نستطيع تصور القاعدة في الهرم تبدأ من عشائر الجنوب والشرق لتصعد قليلا الى الغرب والوسط والشمال في كردستان وهنا هرمية التخلف تشمل عناصر كثيرة تبدأ بالتعليم والتربية وطبيعة ممارسة العنف والسلام الاجتماعي واثر الفقر والاهمال والقمع والتهجير والحيف عليها، وهذا الهرم قد تتداخل فيه نسبية التخلف في بعض الممارسات وخصوصا تلك المتعلقة بالتضييق على الحريات وطبيعة ممارسة العنف ضد المرأة والاطفال، وبالتالي تتساوى العقلية العشائرية في تعاملها مع الحريات أو الانتهاكات للتقليد الاجتماعي فمثلا ظاهرة غسل العار تنتشر في كردستان مثلما تنتشر في الوسط والجنوب ضمن حدود النسبي كذلك الحال مع بقية محددات ومناطقية الهرم.
إن واقع العشائر اليوم لا يشير إلا الى العدمية من خلال وجود مجموعة ظروف تتمثل بما يأتي:
1- تعامل المؤسسة السياسية مع المؤسسة العشائرية ومشاكلها باهمال كبير فضلا عن عدم السيطرة على واقع الصراع العشائري او محاولة تطويره بشكل مدني وانساني مع الاخذ بنظر الاعتبار محددات ومحركات الوجود اليومي والمستقبلي على حد سواء
2- تعامل المؤسسة الدينية مع المؤسسة العشائرية من خلال اخضاع الاخيرة لها طقوسيا فحسب دون محاولات التأثير عليها بشكل ينزع (العصبي والعرفي) من جذورها باعتبار ان الدين مؤسسة متقدمة على مؤسسة العشيرة من حيث الظهور والبروز وما يتقدم الاثنين هي مؤسسة الدولة بوجودها المدني والانساني.
3- تعامل المؤسسة الحزبية مع المؤسسة العشائرية ايضا ذو طابع اخضاع ومصلحية انتخابية سياسية دون محاولات الجذب المدني الانساني ونزع جذورها العرفية العصبية المتخلفة ايضا
4- تعامل المؤسسة المدنية مع المؤسسة العشائرية ايضا ذو طابع لا يشي بالتأثير والتغيير، هناك الجانب الشكلي الداعم للسلطة السياسية أكثر مما هو داعم لتغيير ظروف وحياة المجتمع العشائري، وذلك باعتبار ان أكثر مؤسسات المجتمع المدني ضمن حدود النسبي هي مؤسسات ذات ارتباطات وجذور حزبية ودينية وسياسية سلطوية وبالتالي تخليها عن الحياد والجرأة في النقد وتعرية الاخطاء والانتهاكات الممارسة هنا وهناك داخل هرمية المجتمع العشائري.