عوائل الضحايا تطالب باعتقال المياحي: اللا استدعاء يسجن القتلى و يكرّم الفشل

هيئة التحرير / وكالة سنا الاخبارية

تمشي أمٌ على رماد حذاء طفلها المحترق، وتسأل: من سيُسجن بدل الرماد؟ ومن سيعيد لنا الذين احترقوا كما تُلقى الفئران في النار؟

وتمرُّ مواكب الرسميات بكامل أناقتها وبذلاتها المُكوية، على أنقاض الضحايا، تلوّح للكاميرات، ثم تختفي خلف ستائر النسيان الرسمي، وتُصفَّر أوراق التحقيق كما تُصفّر نوايا الطغاة.

وها هي عوائل فاجعة الكوت تصرخ، لا ببيانٍ سياسي، بل بعظام أولادها.. تطالب القضاء بإصدار أمر قبض على المحافظ السابق محمد جميل المياحي، بتهمة الإهمال الجسيم الذي صار له اسم جديد: القتل الإداري.

و في الشكوى: إن الرجل لم يؤدِّ واجباته.

ويا للمفارقة، كأنّ موت عشرات الأبرياء يحتاج إلى مرافعة قانونية لإثبات أن الدولة تخلّت عنهم مثلما يُرمى الكلب الجريح خارج البيت.

ويُشير محامي العوائل إلى أن الأدلة واضحة: تقصير، إهمال، تجاهل، استهتار بوظيفة عامة.

وما بين السطور: لامبالاة سلطوية، عقلية “كراسي فوق الأرواح”، وحصانة نفسية قائمة على خداع الذات، تُلخّصها مفردة واحدة من قاموس التحليل النفسي: “النرجسية المنظومية” – حين يرى المسؤول أن الدولة كلها امتداد لأناهُ المُنتفخة، فلا يُحاسب، ولا يندم، ولا يعتذر.

ويعود السؤال: لماذا لم يُستدعَ هذا المحافظ إلى الاستجواب فور وقوع الفاجعة؟

ولماذا يُترك لعائلات الضحايا وحدهم أن يلاحقوا الدولة في المحاكم وكأنهم الخصم والجلاد معاً؟

وهل صار العراقي يُحترق، ويُسحق، ويُدهس، ولا يُذكر إلا في نشرة أخبار تُفتتح بـ”في خبر عاجل”، وتُغلق بـ”جارٍ التحقيق”؟

والمأساة لا تكمن في الحريق وحده، بل في استمرار ثقافة الإفلات من العقاب، وهي نمط سلوكي سلطوي له جذور في “اللاشعور الجماعي” للحكم الفاشل – حيث تُدفن المسؤوليات تحت ركام العناوين، ويُرمى الحق في وجه الضحية كأنها تطلب أكثر مما تستحق.

المياحي، يجب أن يُستجوب.

وإن لم يكن، فعلى الدولة أن تعلن ذلك رسمياً بدل أن تمارس “الإنكار المُمنهج” وتضع رأسها في التراب كما تفعل نعامات البيروقراطية.

وإلا، ستبقى الكوت تحترق كل يوم، لا بالحرائق، بل بالصمت.

وستُصبح جملة “الإهمال الجسيم” مجرد تبرير نفسي متعفن، من قاموس “الترهيب الناعم”، الذي يتقنه المسؤولون حين يريدون إعادة تعريف الجريمة: لا كجريمة، بل كحادث عرضي، أو “قضاء وقدر” على الطريقة الحكومية.

وستبقى الضحايا بلا قبور، ما دام المجرم ينام خلف أبواب “الحصانة”، ويأكل خبز المناصب، ويشرب نخب النار التي لم تحرقه، بل أغنته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *