النواب يتقاضون أكثر مما يتحدثون

هيئة التحرير / وكالة سنا الاخبارية

في قلب المنطقة الخضراء، حيث تصطف الأبراج المحصنة والقرارات المعلقة، يتجلى مشهد يعبّر عن اختلال عميق في التوازن بين الكلفة والمردود. 426 مليار دينار سنويًا تُنفق على مجلس نواب لم يعقد سوى نصف عدد جلساته المفترضة، في دورة نيابية لم تُنتج سوى القليل من التشريعات الجوهرية، وغرقت في التجاذبات والفراغات الدستورية، وكأن البرلمان تحوّل إلى مؤسسة تستنزف المال العام أكثر مما تُشرّع به القوانين.

وما بين مخصصات حماية لا تُصرف على أمن حقيقي، وبدلات إيجار تُمنح حتى لسكان بغداد، ورواتب تُدرج بصيغة وزير، تتراكم المزايا في صمت، دون مساءلة أو مراجعة مؤسسية مستقلة. فحتى محاولات تقليص الرواتب اصطدمت بجدار من الاستثناءات، إذ استُثني حملة الشهادات العليا من التخفيض، ما أفرغ القرار من جدواه، وعمّق الشعور الشعبي بانفصال السلطة التشريعية عن نبض الشارع الذي يُطالب بالعدالة التقشفية في زمن الأزمات.

ويستمر المشهد المربك: قاعة تشريعية شبه خاوية، قوانين مصيرية معلّقة، ورئاسة برلمان شاغرة لأكثر من عام، كل ذلك بينما يُضخ المال العام في حسابات شخصية لم تُربط بأي مؤشرات أداء أو معايير إنتاجية. لا وجود لربط تشريعي بين الغياب والمساءلة، ولا آلية تحاسب النواب على الحضور أو التأثير التشريعي، مما حول السلطة الرقابية ذاتها إلى كيان محصّن ضد الرقابة.

وفي هذا السياق، تظهر المفارقة الأكثر صدمة: برلمان يُشرعن امتيازاته بنفسه، ويصوّت على موارده من داخل جدرانه، في ما يشبه “التشريع الذاتي” الذي يتنافى مع مبدأ فصل السلطات ويُفرغ الفعل الرقابي من جوهره.

إنها حالة تضارب مصالح مؤسسية، مُقنّنة ومستمرة، تُقوّض ليس فقط ثقة المواطنين، بل جوهر النظام النيابي نفسه.

ومع انسداد الأفق الإصلاحي، وغياب الإرادة السياسية لتعديل قوانين مجلس النواب ومخصصات أعضائه، تتجه الأزمة نحو مزيد من التكلّس، حيث تُصبح الامتيازات الثابت الوحيد في مشهد سياسي متقلب، وتُهدَر المليارات في مؤسسة تشريعية لا تشترط من أعضائها حتى الحضور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *