خور عبد الله: حين تتحول السيادة إلى سلعة انتخابية

هيئة التحرير / وكالة سنا الاخبارية

مع الجدل المصطنع حول اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله، يطلّ علينا النائبان رائد المالكي وسعود الساعدي، بمزيج من الجهل القانوني والتضليل السياسي، محاولَين تصدير نفسيهما كمدافعين عن السيادة الوطنية، بينما في الحقيقة لا يحملان سوى شعارات فارغة تثير الضجيج ولا تصنع شيئًا. هؤلاء لا يفقهون في القانون شيئًا، ويتعاملون مع الرأي العام وكأنّه قطيع يُساق بالإعلام والانفعالات، لا بالعقل والمنطق والدستور.

الحقيقة أن النائبين المذكورين لم يتحرّكا بدافع وطني، بل بصفقة سياسية واضحة مع رئيس المحكمة الاتحادية السابق جاسم العميري، الذي قاد بنفسه انقلابًا قضائيًا على أحكام المحكمة السابقة، فقط لإرضاء طموحاته السياسية وتحالفاته المريبة. القرار القضائي الصادر عام ٢٠١٤ كان واضحًا وباتًّا وملزمًا، وأقرّ بدستورية قانون التصديق على الاتفاقية، ثمّ جاء هؤلاء بالطعن بعد تسع سنوات، مدفوعين بغايات انتخابية رخيصة، فأُعيد فتح القضية بطريقة لا يمكن وصفها إلا بأنها عار قانوني.

ما حصل لاحقًا كان مهزلة قضائية مكتملة الأركان. المحكمة الاتحادية في عهد العميري قبلت الطعن بحكم باتّ وملزم، وهو ما لا يُقبل في أي نظام قضائي محترم. الأسوأ أن المحكمة استخدمت المادة (٤٥) من نظامها الداخلي كمبرر للعدول، مع أن النص واضح كل الوضوح: العدول يُجيز تغيير “مبدأ قضائي”، لا “حكم بات وملزم”. ورغم ذلك، سُوّق القرار الجديد على أنه انتصار للوطن، والحقيقة أنه طعنة في صميم الدستور، وفضيحة قانونية لن تُمحى بسهولة.

المثير للسخرية أن المالكي والساعدي، وبعد أن طعنوا بحكم باتّ، يخرجون علينا اليوم ليقولوا إنه لا يجوز مناقشة القرار الجديد لأنه “بات وملزم”! بأي منطق قانوني يتحدث هؤلاء؟! هل الباتّ والملزم يصبح قابلًا للطعن إذا لم يعجبهم، ويصبح مقدسًا إذا جاء على هواهم؟ هذا ليس موقف رجال دولة، بل موقف هواة سياسة باحثين عن مكاسب انتخابية على حساب الدستور.

ولم يقف مهرجان الجهل القانوني عند هذا الحد، بل انضمّ إلى جوقة المهرّجين نائبان آخران، هما عامر عبد الجبار وأمير المعموري، اللذان وجدا في هذه القضية فرصة ذهبية لتحريك مشاعر الناس والتلاعب بالرأي العام مع قرب الانتخابات، رغم أنهما لا علاقة لهما بالدعوى، ولم يكونا من أطراف الطعن أمام المحكمة الاتحادية. لكنّ الجهل بالقانون لا يمنعهما من تسويق أنفسهما عبر الخطاب الانفعالي، دون أي فهم حقيقي لطبيعة الاتفاقية أو السياق الدولي الذي أُبرمت فيه. فكل ما يملكانه هو الحنجرة العالية والشعارات الجوفاء، وكأن الصوت العالي بديل عن النصوص الدستورية والحقائق القانونية.

أما حديثهم العاطفي المكرور عن “خيانة الوطن” و”التفريط بالسيادة”، فهو كلام إنشائي يصلح للمنابر الشعبية، لا لقاعة البرلمان. الاتفاقية الموقعة عام ٢٠١٢ تنظيمية بحتة، لا علاقة لها بالترسيم الحدودي. من رسم الحدود هو مجلس الأمن بموجب القرار الدولي (٨٣٣) لسنة ١٩٩٣، حين كان العراق تحت الفصل السابع. هذا قرار دولي لا يُعدّل بخطبة من المالكي أو بجلسة شعبوية للساعدي أو بهتاف غوغائي من عبد الجبار والمعموري. إن كان لديهم اعتراض فليذهبوا إلى نيويورك ويطلبوا من مجلس الأمن تعديل قراره، لا أن يشحنوا الجمهور بكلام أجوف.

الحقيقة المرة التي يرفض هؤلاء جميعًا الاعتراف بها، هي أن الوطن لا يُحمى بالشعارات الفارغة، بل بالحلول القانونية، وبإرادة دولية واقعية. نحن لا نبرر ما فُرض علينا من قرارات دولية، لكننا لا نخدع الشعب بوعود كاذبة ومواقف عنترية يعلم أصحابها أنها لا تغيّر شيئًا. إن شحن الشارع العراقي اليوم بمعلومات كاذبة حول خور عبد الله لا يخدم الوطن، بل يضعه في مواجهة مع المجتمع الدولي دون أي مكسب حقيقي.

ولكل هؤلاء النواب أقولها بصراحة، أنتم آخر من يحق له المزايدة على وطنية العراقيين. لا أنتم أكثر وطنية ممن فاوض لإبقاء العراق يستخدم القناة دون أن يُفرض عليه قيود دولية، ولا من دافع عن اتفاق قانوني في وقت صعب. خطابكم التضليلي لا يُقنع إلا من لا يعرف شيئًا عن القانون أو عن النظام الدولي. أما نحن، فنعرف تمامًا أنكم لا تبحثون إلا عن الأصوات الانتخابية، حتى لو احترق البلد تحت أقدامكم.

لا يمكن لعراقي شريف بل حتى غير الشريف أن يقبل التنازل عن ذرة من تراب هذا الوطن، ولكن لا يمكن أيضًا أن نقبل بتجار الوطنية الموسمية الذين يبيعون الوهم للشعب، ويضحكون عليه بشعارات جوفاء. إذا كان لديكم بديل عملي واقعي يمكّن العراق من استخدام قناة خور عبد الله دون اتفاق مع الكويت، فهاتوه. أما أن تدّعوا “الخيانة” في كل من يخالفكم، فهذه إساءة للوطن لا دفاع عنه.

لا يُنقذ العراق من أزماته مَن يعلو صوته في الإعلام، بل مَن يملك وعيًا قانونيًا وسياسيًا يجنب الدولة الدخول في مواجهات خاسرة. أما أنتم، فمواقفكم باتت مفضوحة، وصفقاتكم أصبحت موثّقة، وتاريخكم سيُسجّل لا كمدافعين عن السيادة، بل كمن خرقوا القانون والدستور لأهداف شخصية رخيصة.

ياسر الجبوري

25 / 7 / 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *