وكالة سنا
بقلم: صباح الكعبي
العراق ليس بمنأى عن الصراعات الإقليمية التي تعصف بالمنطقة، والتي تتصارع فيها محاور النفوذ؛ بين محور الاحتلال الصهيوني وحلفائه، ومحور إيران وحلفائها. وبين هذين الصراعين، تقف بلاد الرافدين كمنطقة هشّة تُستغل فيها الانقسامات الطائفية، ويُوظّف فيها الغضب الشعبي كأداة لتصفية الحسابات.
لقد أكدت المرجعية الدينية ضرورة النأي بالعراق عن هذه الصراعات، والحفاظ عليه ككيان موحد يعيش فيه أبناؤه بسلام وعدالة، لكن ما نشهده اليوم يعاكس هذا التوجه، ويعيدنا إلى مشهد مظلم عشناه في سنوات 2005 و2006: حرب أهلية مدمّرة، ومفخخات وقتل على الهوية، وخطف وتهجير، في واحدة من أسوأ مراحل التاريخ الحديث للعراق.
المؤسف أن أدوات هذا الانقسام لم تعد فقط في السياسة، بل وصلت إلى ساحات القضاء عبر بعض المحامين الذين يفترض أنهم حماة القانون والعدالة، فإذا بنا نرى فريقاً من المحامين السنة يدافع علناً عن من يسيء إلى أهل البيت عليهم السلام، وآخر من المحامين الشيعة يدافع عن من يسيء إلى الصحابة وزوجة الرسول (عائشة رضي الله عنها)، وكلا الطرفين يبرران مواقفهم الطائفية، ويؤججون الشارع عبر وسائل التواصل، ويترافعون في المحاكم من أجل نصرة خطاب الكراهية.
أي مصلحة في إعادة خطاب الدم والدمار؟ هل نسي هؤلاء المحامون، ومن يتفاعل معهم، نتائج قادسية نوري المالكي وخميس الخنجر؟ حين كان الطرفان يصرخان ويتوعدان بالحرب من خلف حمايات أميركية وتركية وخليجية وإيرانية، بينما كانت عوائلهم تنعم بالأمن والحماية والخدم، والشعب وحده يدفع ثمن صراعهم.
صرخ المالكي بـ”فقاعة نسحقهم”، وصرخ الخنجر بـ”قادمون يا بغداد”، وفي الخلف كانت جيوش من الذباب الإلكتروني تؤجج النار، وتدفع الشباب الفقراء من السنة والشيعة إلى أتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فسقط منهم الشهداء، وتحوّل بعضهم إلى معاقين، واعتُقل وغُيب المئات، وتُركت النساء أرامل وثكالى، وبِيع بعضهن في أسواق النخاسة، وغُصبت أخريات، وضاعت مليارات الدولارات من أموال الشعب، بينما جلس المالكي والخنجر لاحقاً ليتحالفوا ويتضاحكوا فوق ركام الخراب.
لم نرَ أبناء نوري ولا أقرباءه شهداء ولا جرحى، ولم يُقدم الخنجر وأهله شيئاً غير الخطب والظهور الإعلامي. وحتى جيوش المرتزقة من الإعلاميين والمدونين، لم يسقط منهم شهيد، ولم يخوضوا معركة واحدة. الضحية الوحيدة كانت أبناء هذا الوطن، من فقرائه وبسطائه، من الشيعة والسنة على حد سواء.
على الشعب أن يعي خطورة ما يُراد له، وأن يقف شوكة في عين كل من يسعى لإشعال حرب طائفية جديدة تحت أي مسمى، وأن يُحمّل كل من يروج للطائفية، ويدافع عنها، أو يصمت عنها، المسؤولية أمام الله والتاريخ.
الدم العراقي أغلى من كل صراعاتهم، ووحدة العراق أسمى من كل شعاراتهم.