قراءة /سمير السعد

في عالم الشعر، كثيرون كتبوا عن الحب، الغياب، والحنين، لكن النخبة من استطاعوا أن يجعلوا من تفاصيل صغيرة — كقرط سقط سهواً — أيقونة لحكاية وجع متجددة.
في قصيدته “القرط يحدثني طويلا”، يفتح لنا الشاعر ناظم كاطع الساعدي نافذة على ذاكرة لا تهدأ، حيث يتحول القرط إلى شاهدٍ على الخسارات، وإلى صدى لصوت لا يسمعه سوى العاشق المكلوم.
هي قصيدة لا تُقرأ بالكلمات فقط، انما تُعاش بكل وجعها وشغفها، لتؤكد أن أعذب الشعر هو ما كُتب تحت وطأة الحنين.
منذ السطر الأول، يكشف الساعدي عن خيبة توقعاته، فالقرط – الذي كان ربما يحمل وعود الذكرى – “لم يخبره بشيء عن متاهة النسيان”، وكأن الأشياء التي ترتبط بأحبائنا تتحول إلى شهود صامتين أمام خيباتنا.
ينتقل الساعدي بسلاسة بين محطات الذكرى والنسيان، بين حضور الحبيب الغائب وتداعي الأمل، مستخدمًا أسلوبًا شعريًا محملاً بالصور العاطفية الحية.
ويبرز في القصيدة بوضوح استعارة بليغة حين يصف الشاعر القرط قائلاً:
“بقي وحيدًا
كرماد تنثره الريح”،
وهي صورة تعكس التلاشي التدريجي للأمل والذكرى، كأن الحب نفسه قد تحول إلى رماد تذروه رياح الغياب. هذه الصورة تختصر مأساة الشاعر كاملةً، بين فقدٍ لا رجعة فيه وشغف ما زال عالقًا بأطراف الذاكرة.
كما تلمع في النص عبارة أخرى بالغة الدلالة حين يقول:
“وهو يفرط في جمع
ذلك الشتات الذي
لا تجمعه
ألفة العالم بأسره”،
في تصوير حزين لعجز كل محاولات الشاعر عن لملمة بعثرة روحه وذكرياته، رغم كل الحب الكامن في قلبه. هنا تتجلى معاناة الفقد بأقسى صورها، إذ يتحول الألم إلى شتات لا يقدر الكون كله على رأبه.
القصيدة تعج بمثل هذه الاستعارات المؤثرة، حيث يتحول القرط إلى رفيق دائم للشاعر: “ينام معي ويغادر معي”، ليصبح رمزًا ملموسًا للوحدة والانتظار.
في هذه التجربة الشعرية، يبرز الوجع كحالة مركزية تتسلل إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، ويغدو الانتظار فعلاً من أفعال العشق المستحيلة. حتى الأحلام التي كانت تشبه الومضات تُسرق في لحظة من الزمن، تاركة الشاعر معلقًا بين الأمل واليأس.
أسلوب الساعدي هنا يمتاز بالعفوية والانسياب، حيث تتوالى الصور والعبارات دون توقف، مما يمنح النص إيقاعًا داخليًا نابضًا، يعكس حالة الحمى العاطفية التي يعيشها الشاعر. ويتعمد عدم وضع فواصل كبيرة بين الصور، وكأنه يريد للقارئ أن يغوص في تيار شعوري متدفق، دون أن يقف لالتقاط أنفاسه.
“القرط يحدثني طويلا” ليست مجرد قصيدة عن الذكرى أو الغياب؛ إنها صرخة مكتومة ضد الخسارات الصغيرة التي تتكاثر في حياة العاشق، حتى تغدو بحجم الحياة كلها. وفي النهاية، لا يسمع حديث القرط الطويل سوى الشاعر ذاته، الذي ظل شغفه مأسورًا باسم من غاب.
وهكذا يتركنا ناظم كاطع الساعدي مع “قرطه” المتكلم، شاهداً على زمنٍ من الذكرى والشغف والانتظار.
قصيدته ليست مجرد سرد لحنين عابر، بل هي وشمٌ عميقٌ على جسد الذاكرة،
تؤكد لنا أن بعض الأشياء الصغيرة – كقرط ضائع ، تحمل أحيانًا عبء قلوب بأكملها، وقصائد لا تنطفئ مهما طال الغياب.